الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٨ - السمات الأساسية للأنصار و المهاجرين و التابعين
هذه الآيات- التي هي استمرار للآيات السابقة- تتحدّث حول طبيعة مصارف الفيء الستّة، التي تشمل الأموال و الغنائم التي حصل عليها المسلمون بغير حرب، و قد أوضحت الآية المعني باليتامى و المساكين و أبناء السبيل، مع التأكيد على المقصود من أبناء السبيل بلحاظ أنّهم يشكّلون أكبر رقم من عدد المسلمين المهاجرين في ذلك الوقت، حيث تركوا أموالهم و وطنهم نتيجة الهجرة، و كانوا فقراء بعد أن هجروا الدنيا من أجل دينهم.
يقول تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ [١] يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ.
هنا بيّنت الآية ثلاثة أوصاف مهمّة و أساسية للمهاجرين الأوائل، تتلخص ب (الإخلاص و الجهاد و الصدق).
ثمّ تتناول الآية مسألة (ابتغاء فضل اللّه و رضاه) حيث تؤكّد هذه الحقيقة و هي: أنّ هجرتهم لم تكن لدنيا أو لهوى نفس، و لكن لرضا اللّه و ثوابه.
و بناء على هذا ف (الفضل) هنا بمعنى الثواب. و «الرضوان» هو رضا اللّه تعالى الذي يمثّل مرحلة أعلى من مرتبة الثواب. كما بيّنت ذلك آيات عديدة في القرآن الكريم، و منها ما جاء في الآية ٢٩ من سورة الفتح، حيث وصف أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهذا الوصف تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً.
و لعلّ التعبير ب (الفضل) إشارة إلى أنّ هؤلاء المؤمنين يتصوّرون أنّ أعمالهم قليلة جدّا لا تستحقّ الثواب، و يعتقدون أنّ الثواب الذي غمرهم هو لطف إلهي.
و يرى بعض المفسّرين «الفضل» هنا بمعنى الرزق، أي رزق الدنيا، فقد ورد في بعض الآيات القرآنية بهذا المعنى أيضا، و لكن بما أنّ المقام هو مقام بيان إخلاص المهاجرين، لذا فإنّ هذا المعنى غير مناسب، و المناسب هو الجزاء
[١]- «للفقراء» بدل و تفسير لابن السبيل.