الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٠٢ - دور المنافقين في فتن اليهود
الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَ مَأْواهُمُ النَّارُ وَ بِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ [١].
ثمّ يستعرض دليلا واقعيا واضحا يعبّر عن حالة الخوف و الاضطراب حيث يقول سبحانه: لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ.
«قرى» جمع قرية، أعمّ من المزروعة و غير المزروعة، و تأتي أحيانا بمعنى الناس المجتمعين في مكان واحد.
«محصّنة» من مادّة (حصن) على وزن «جسم» بمعنى مسوّرة، و بناء على هذا فإنّ (القرى المحصّنة) تعني القرى التي تكون في أمان بوسيلة أبراجها و خنادقها و المواضع التي تعيق تقدّم العدو فيها.
«جدر» جمع جدار، و الأساس لهذه الكلمة بمعنى الارتفاع و العلو.
نعم، بما أنّهم خرجوا من حصن الإيمان و التوكّل على اللّه، فإنّهم بغير الالتجاء و الاتّكاء على الجدران و القلاع المحكمة لا يتجرّؤون على مواجهة المؤمنين.
ثمّ يوضّح أنّ هذا ليس ناتجا عن جهل بمعرفة فنون الحرب، أو قلّة في عددهم و عدّتهم، أو عجز في رجالهم، بل إنّ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ.
إلّا أنّ المشهد الذي عرض يتغيّر في حالة مواجهتهم لكم و يسيطر عليهم الرعب و الاضطراب بصورة مذهلة.
و هذا الأمر تقريبا يمثّل أصلا كليّا في مورد اقتتال الفئات غير المؤمنة فيما بينهم، و كذلك محاربتهم للمؤمنين.
و نشاهد مصاديق هذا المعنى بصورة متكرّرة أيضا في التأريخ المعاصر، حيث نلحظ عند اشتباك مجموعتين غير مؤمنتين مع بعضهما شدّة الفتك و قسوة الانتقام و شراسة المواجهة بينهما بصورة لا تدعو للشكّ في قوّة كلّ منهما ... و لكن لو تغيّرت المعادلة، و أصبحت المواجهة بين مجموعة غير مؤمنة باللّه و اخرى مؤمنة مستعدّة للشهادة في سبيل اللّه، عند ذلك نرى أعداء الحقّ يلوذون إلى القلاع
[١]- آل عمران، الآية ١٥١.