الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١ - موعظة و توبة
منها، حتّى أنّ البعض منهم أصبح في صفّ الزهّاد و العبّاد، و من جملتهم العابد المعروف «فضيل بن عيّاض» الزاهد.
حيث يحكى عنه أنّه كان في أوّل أمره يقطع الطريق بين «أبيورد» و «سرخس»، و عشق جارية، فبينما هو يرتقي الجدران إليها سمع تاليا يتلو: أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ قال: (بلى و اللّه قد آن) فرجع و أوى إلى خربة فإذا فيها رفقة، فقال بعضهم: نرتحل، و قال بعضهم: حتّى نصبح، فإنّ فضيلا قد قطع الطريق علينا. فتاب الفضيل و أمّنهم.
و حكي أنّه جاور الحرم حتّى مات [١].
و نقل بعض المفسّرين أنّ أحد رجال البصرة المعروفين قال: بينما كنت أسير في طريق فسمعت فجأة صيحة، فذهبت متتبعا آثارها، فشاهدت رجلا مغمى عليه على الأرض، قلت: ما هذا! قالوا: رجل واعي القلب سمع آية من القرآن و اندهش، قلت: أي آية؟ قالوا: أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ... و فجأة أفاق الرجل عند سماع صوتنا و بدأ بقراءة هذا الشعر المؤثّر:
|
أما آن للهجران أن ينصر ما |
و للغصن غصن البان أن يتبسّما |
|
|
و للعاشق الصبّ الذي ذاب و انحنى |
ألم يأن أن يبكي عليه و يرحما |
|
|
كتبت بماء الشوق بين جوانحي |
كتابا حكى نقش الوشي المنمنما |
قال ذلك ثمّ سقط على الأرض. مدهوشا مرّة اخرى، فحرّكناه و إذا به قد سلّم روحه إلى بارئه و ربّه [٢].
[١]- سفينة البحار، ج ٢، ص ٣٦٩. و روح البيان، ج ٩، ص ٣٦٥. و تفسير القرطبي، ج ٩، ص ٦٤٢.
[٢]- تفسير نور المعاني، ج ٢٧، ص ١٥٦.