الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٢ - مصدر النفاق و علامات المنافقين
و في يوم الحشر يلجأ المنافقون لنفس الأسلوب في الحلف، كما جاء في الآية ١٨ من سورة المجادلة.
و بذلك يتّضح أنّ هذا السلوك صار جزءا من كيانهم، فهم لا يمتنعون عنه حتّى في مشهد الحشر بين يدي اللّه تعالى.
و تتطرّق الآية اللاحقة إلى ذكر السبب الذي يقف وراء هذه الأعمال السيّئة، حيث يقول تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ.
و المقصود بالإيمان- كما يعتقد بعض المفسّرين- هو الإيمان الظاهري الذي يخفي وراءه الكفر.
و لكن يبدو أنّ الآية تريد أن تقول: إنّهم كانوا مؤمنين حقّا و ذاقوا طعم الإيمان و لمسوا حقّانية الإسلام و القرآن، ثمّ انتهجوا منهج الكفر مع احتفاظهم بظاهر الإيمان أو الإيمان الظاهري. و قد سلب اللّه منهم حسّ التشخيص و حرمهم إدراك الحقائق، لأنّهم أعرضوا عن الحقّ، و أداروا له ظهورهم بعد أن شخّصوه و عرفوه حقّا.
و الواقع أنّ المنافقين مجموعتان:
المجموعة الاولى: كان إيمانها منذ البداية ظاهريا و صوريا.
و الثانية: كان إيمانها حقيقيّا في البداية ثمّ ارتدّوا و لزموا طريق النفاق.
و الظاهر أنّ الآية- مورد البحث- تتعرّض للمجموعة الثانية.
و تشبه هذه الآية (٧٤) من سورة التوبة التي تقول: وَ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ.
على كلّ حال فإنّ عدم قدرتهم على إدراك الحقائق الواضحة تعتبر علامة ثالثة من علامات نفاقهم.
و من الواضح أنّهم غير مجبرين على ذلك، لأنّهم قد هيّئوا مقدّماته بأنفسهم.
و توضّح الآية اللاحقة علامات المنافقين بشكل أكثر وضوحا، إذ يقول تعالى: وَ إِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ فهم يتمتّعون بظواهر جميلة و أجسام