الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٩ - علامات اخرى للمنافقين
دواعي الافتخار و الاعتزاز، و لا ينبغي أن يمنّوا به على أحد.
ثمّ يقول تعالى في إشارة اخرى إلى مقالة اخرى سيّئة من مقالاتهم يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَ.
و هذا نفس الكلام الذي أطلقه «عبد اللّه بن أبي»، و يريدون من ورائه أنّهم أهل المدينة الأصليّون الذين سيخرجون منها الرّسول و أصحابه من المهاجرين، بعد عودتهم من غزوة بني المصطلق التي مرّت الإشارة إليها.
و رغم أنّ هذا الحديث صدر عن رجل واحد، لكنّه كان لسان حال المنافقين جميعا، و هذا ما جعل القرآن يعبّر عنهم بشكل جماعي «يقولون ...» فيردّهم ردّا حازما إذ يقول: وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ.
و لم يكن منافقو المدينة وحدهم الذين رووا هذا الكلام، بل سبقهم إلى ذلك رؤساء قريش عند ما قالوا: (سينتهي أمر هذه المجموعة القليلة الفقيرة من المسلمين إذا حاصرناهم اقتصاديا أو أخرجناهم من مكّة).
و هكذا نرى اليوم الدول المستكبرة و هي تحذّر الشعوب التي ترفض الخضوع لسيطرتها، بأنّها تملك الدنيا و خزائنها، فان لم تخضع لها تحاصر اقتصاديا لتركيعها.
و هؤلاء هم الذين طبع على قلوبهم و اتّخذوا منهجا واحدا على مدى التاريخ، و ظنّوا أنّ ما لديهم باق، و لم يعلموا أنّ اللّه قادر على إزالته و إزهاقه بلمحة بصر.
و هذا النمط من التفكير (رؤية أنفسهم أعزّاء و الآخرين أذلّاء و توهّم أنّهم أصحاب النعمة و الآخرون محتاجون إليهم) هو تفكير نفاقي متولّد من التكبّر و الغرور من جهة، و توهّم الاستقلال عن اللّه عزّ و جلّ من جهة اخرى، فلو أنّهم أدركوا حقيقة العبودية و مالكية اللّه لكلّ شيء فمن المحال أن يقعوا في ذلك التوهّم الخطير ..
و قد عبّرت عنهم الآية السابقة بقولها: لا يَفْقَهُونَ و هنا قالت: لا يَعْلَمُونَ.