الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٢ - السائر سويّا على جادّة التوحيد
إلّا أنّ المعنى الأوّل أنسب حسب الظاهر، و ذلك بقرينة المقابلة مع وضع المؤمنين و الذين عبّرت عنهم الآية ب (سويّا).
و على كلّ حال، فهل أنّ هذه الحالة (مكبّا) و (سويّا) تمثّل وضع الكفّار و المؤمنين في الآخرة فقط؟ أم في العالمين (الدنيا و الآخرة)؟ لا دليل على محدودية مفهوم الآية و انحصارها في الآخرة، فهما في الدنيا كما هما في الآخرة.
إنّ هؤلاء الأنانيين المنشدّين إلى مصالحهم الماديّة و المنغمسين في شهواتهم، السائرين في درب الضلال و الهوى، كمن يروم العبور من مكان مليء بالأحجار زاحفا على صدره، بخلاف من تحرّر من قيد الهوى في ظلّ الإيمان حيث يكون مسيره واضحا و مستقيما و نظراته عميقة و ثاقبة.
ثمّ يوجّه اللّه تعالى الخطاب إلى الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في الآية اللاحقة فيقول: قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ.
إنّ اللّه تعالى جعل لكم وسيلة للمشاهدة و الإبصار (العين) و كذلك وسيلة و قناة للاطّلاع على أفكار الآخرين و معرفة و جهات نظرهم من خلال الاستماع (الإذن) ثمّ وسيلة اخرى للتفكّر و التدبّر في العلوم و المحسوسات و اللامحسوسات (القلب).
و خلاصة الأمر إنّ اللّه تعالى قد وضع جميع الوسائل اللازمة لكم لتتعرّفوا على العلوم العقلية و النقلية، إلّا أنّ القليل من الأشخاص من يدرك هذه النعم العظيمة و يشكر اللّه المنعم، حيث أنّ شكر النعمة الحقيقي يتجسّد بتوجيه النعمة نحو الهدف الذي خلقت من أجله، ترى من هو المستفيد من هذه الحواس (العين و الاذن و العقل) بصورة صحيحة في هذا الطريق؟
ثمّ يخاطب الرّسول مرّة اخرى حيث يقول تعالى: قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ.
و في الحقيقة فإنّ الآية الاولى تعيّن (المسير)، و الثانية تتحدّث عن (وسائل