الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٧ - لو نزل القرآن على جبل
و الشيء الممكن ملاحظته هنا، أنّه تعالى يقول في البداية: إنّ الجبال تخشع و تخضع للقرآن الكريم، و يضيف أنّها تتشقّق، إشارة إلى أنّ القرآن الكريم ينفذ تدريجيّا فيها، و بعد كلّ فترة تظهر عليها آثار جديدة من تأثيرات القرآن الكريم، إلى حدّ تفقد فيه قدرتها و استطاعتها فتكون كالعاشق الواله الذي لا قرار له ثمّ تنصدع و تنشقّ [١].
الآيات اللاحقة تستعرض قسما مهمّا من صفات جمال و جلال اللّه سبحانه، التي لكلّ واحدة منها الأثر العميق في تربية النفوس و تهذيب القلوب. و تحوي الآيات القرآنية الثلاثة خمسة عشر وصفا للّه سبحانه، أو بتعبير آخر فإنّ ثماني عشرة صفة من صفاته العظيمة تذكرها ثلاث آيات، و كلّ منها تتعلّق ببيان التوحيد الإلهي و الاسم المقدّس، و توضّح للإنسان طريق الهداية إلى العالم النوراني لأسماء و صفات الحقّ سبحانه، يقول تعالى: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ.
هنا و قبل كلّ شيء يؤكّد على مسألة التوحيد، التي هي أصل لجميع صفات الجمال و الجلال، و هي الأصل و الأساس في المعرفة الإلهية، ثمّ يذكر علمه بالنسبة للغيب و الشهود.
«الشهادة» و «الشهود»- كما يقول الراغب في المفردات- هي الحضور مقترنا بالمشاهدة سواء بالعين الظاهرة أو بعين البصيرة، و بناء على هذا، فكلّ مكان تكون للإنسان فيه إحاطة حسيّة و علمية يطلق عليها عالم شهود، و كلّ ما هو خارج عن هذه الحدود يطلق عليه «عالم الغيب» و كلّ ذلك في مقابل علم اللّه سواء، لأنّ وجوده اللامتناهي في كلّ مكان حاضر و ناظر، فلا مكان- إذن- خارج حدود علمه و حضوره، قال تعالى:
[١]- «متصدع» من مادة (صدع)، بمعنى شق الأشياء القوية، كالحديد و الزجاج، و إذا قيل لوجع الرأس: صداع، فإنه بسبب شعور الإنسان أن رأسه يريد أن يتشقق من الألم.