الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٦ - لو نزل القرآن على جبل
الذي ينتظره، و الذي يجدر أن يهيّئه في أبهى و أفضل صورة .. تأتي هذه الآيات المباركات التي هي آخر آيات سورة الحشر، و التي تأخذ بنظر الإعتبار مجمل ما ورد من آيات هذه السورة، لتوضّح حقيقة اخرى حول القرآن الكريم، و هي: أنّ هذا الكتاب المبارك له تأثير عميق جدّا حتّى على الجمادات، حيث أنّه لو نزل على الجبال لهزّها و حرّكها و جعلها في وضع من الاضطراب المقترن بالخشوع ..
إلّا أنّه- مع الأسف- هذا الإنسان القاسي القلب يسمع آيات اللّه تتلى عليه و لا تتحرّك روحه و لا يخشع قلبه، يقول سبحانه: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ.
فسّر الكثير من المفسّرين هذه الآيات بأنّها تشبيه، و قالوا: إنّ الهدف من ذلك هو بيان أنّ هذه الآيات إذا نزلت على الجبال بكلّ صلابتها و قوّتها إذا كان لها عقل و شعور- بدلا من نزولها على قلب الإنسان- فانّها تهتزّ و تضطرب إلى درجة أنّها تتشقّق، إلّا أنّ قسما من الناس ذوي القلوب القاسية و التي هي كالحجارة أو أشدّ قسوة لا يسمعون و لا يعون و لا يتأثّرون أدنى تأثير، و جملة: وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ اعتبرت دليلا و شاهدا على هذا الفهم.
و قد حملها البعض الآخر على ظاهرها و قالوا: إنّ كلّ الموجودات في هذا العالم- و من جملتها الجبال- لها نوع من الإدراك و الشعور الخاصّ بها، و إذا نزلت هذه الآيات عليها فانّها ستتلاشى، و دليل هذا ما ورد في الآية (٧٤) من سورة البقرة في وصف جماعة من اليهود، قال تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
و التعبير ب (مثل) يمكن أن يكون بمعنى هذا الوصف، كما جاءت هذه الكلمة مرارا مجسّدة لنفس المعنى، و بناء على هذا، فإنّ التعبير المذكور لا يتنافى مع هذا التّفسير.