الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٥ - أولئك أعداء اللّه
و لتأكيد حضور اللّه سبحانه في كلّ مكان و علمه بكلّ شيء ينتقل الحديث إلى مسألة «النجوى» حيث يقول سبحانه: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ.
بالرغم من أنّ المخاطب في هذه الآية هو الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إلّا أنّ المقصود هو عموم الناس [١]، و مقدّمة لبيان مسألة النجوى.
ثمّ يضيف تعالى: ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ، وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [٢].
نلاحظ هنا عدّة نقاط تستحقّ الانتباه:
١- «النجوى» و «النجاة» في الأصل بمعنى المكان المرتفع الذي انفصل عن أطرافه و جوانبه بسبب ارتفاعه، و لأنّ الإنسان إذا أراد التكتم على حديثه يعتزل في مكان بعيد عن الآخرين، أو بلحاظ أنّ المتحدّث بالنجوى يريد أن ينجي أسراره من الكشف و يبعدها عن تناول أسماع الآخرين.
٢- يرى البعض أنّ «النجوى» يجب أن تكون بين ثلاثة أشخاص أو أكثر، و إذا كانت بين شخصين فيقال لها (سرار) على وزن (ستار) إلّا أنّ هذا خلاف ظاهر الآية، لأنّ الجملة: وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ تشير إلى أقلّ من ثلاثة أشخاص- أي شخصين- و من الطبيعي أنّه إذا تناجى شخصان فلا بدّ من أن يكون شخص ثالث قريب منهما، و إلّا فلا ضرورة للنجوى. إلّا أنّ ذلك لا يرتبط بما ذكرنا.
٣- و النقطة الجديرة بالملاحظة هنا هي أنّ الآية أعلاه تحدّثت في البداية عن نجوى ثلاثة، و من ثمّ عن نجوى خمسة، و لم يرد الكلام عن نجوى أربعة أشخاص و التي هي بين المرتبتين (ثلاثة و خمسة)، و بالرغم من أنّ كلّ ذلك جاء من باب
[١]- «ألم تر»: من مادّة (رؤية) في الأصل بمعنى المشاهدة الحسيّة، إلّا أنّها في كثير من الموارد جاءت بمعنى الشهود القلبي و العلم و المعرفة.
[٢]- «نجوى» بالرغم من أنّها مصدر إلّا أنّها جاءت هنا اسم فاعل، أي من قبيل (زيد عادل).