الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠٢ - القرآن كلام اللّه قطعا
تنفي هاتان الآيتان ما نسبه المشركون و المخالفون من تهم باطلة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إذ كانوا يقولون أحيانا: إنّه (شاعر) و إنّ هذه الآيات من شعره، كما كانوا يقولون أحيانا: إنّه (كاهن) و إنّ الذي يقوله هو (كهانة) لأنّ الكهنة أشخاص كانوا يتنبّئون بأسرار الغيب أحيانا، و ذلك لارتباطهم بالجنّ و الشياطين، و كانوا يطلقون عن قصد كلاما مسجعا و جملا موزونة.
و لأنّ القرآن الكريم أيضا كان يتنبّأ و يتحدّث عن امور غيبية، و إنّ ألفاظه و عباراته لها نظام خاصّ، لذا اتّهم الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بهذه التّهم، في حين أنّ الفرق بين الإثنين كالفرق بين الأرض و السماء.
لقد نقل البعض في سبب نزول هذه الآية أنّ (أبا جهل) نسب قول الشعر إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و أنّ (عقبة) أو (عتبة) هو الذي نسب الكهانة إلى رسولنا الكريم و كذلك الآخرون أيضا كانوا يردّدون هذه التّهم.
و في الحقيقة فإنّ للقرآن الكريم ألفاظا منسجمة، و تعابير ذات نظم جميل تسحر الآذان و تبعث الاطمئنان في الأرواح. إلّا أنّ هذا ليس له أي ارتباط مع شعر الشعراء، و لا مع سجع الكاهنين.
الشعر في الغالب وليد الخيال، و معبّر عن الأحاسيس الجياشة في النفوس، و العواطف الملتهبة، و لهذا فإنّه يجسّد حالة عدم الاستقرار و عدم التوازن صعودا و نزولا، شدّة و انخفاضا، في الوقت الذي نلاحظ أنّ القرآن الكريم، و هو يمثّل قمّة الروعة و الجاذبية، فإنّه كتاب استدلالي و منطقي في عرضه للمفاهيم، و عقلاني في محتواه، و ما فيه من التنبّؤ المستقبلي لا يشكّل قاعدة أساسية للقرآن الكريم، بالإضافة إلى أنّها صادقة جميعا بخلاف ما عليه تنبّؤ الكهنة.
التعبير ب قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ و قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ هو توبيخ و لوم للأشخاص الذين يسمعون الوحي السماوي مقرونا بدلائل واضحة، إلّا أنّهم يعتبرونه (شعرا) أحيانا، و (كهانة) أحيانا اخرى. و قليلا ما يؤمنون.