الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٤ - الصدقة قبل النجوى (اختبار رائع)
و التهذيب الفكري و الاجتماعي للمسلمين.
و لكن لو كان التصدّق قبل النجوى واجبا على الجميع، فإنّ الفقراء عندئذ سيحرمون من طرح المسائل المهمّة كاحتياجاتهم و مشاكلهم أمام الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فلذا جاء في ذيل الآية إسقاط هذا الحكم عن المجموعة المستضعفة ممّا مكّنهم من مناجاة الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و التحدّث معه فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
و بهذه الصورة فإنّ دفع الصدقة قبل النجوى كان واجبا على الأغنياء دون غيرهم.
و الطريف هنا أنّ للحكم أعلاه تأثيرا عجيبا و امتحانا رائعا أفرزه على صعيد الواقع من قبل المسلمين في ذلك الوقت، حيث امتنع الجميع من إعطاء الصدقة إلّا شخص واحد، ذلك هو الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، و هنا اتّضح ما كان يجب أن يتّضح، و أخذ المسلمون درسا في ذلك، لذا نزلت الآية اللاحقة و نسخت الحكم حيث يقول سبحانه: أَ أَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ.
حيث اتّضح أنّ حبّ المال كان في قلوبكم أحبّ من نجواكم للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و اتّضح أيضا أنّ هذه النجوى لم تكن تطرح فيها مسائل أساسية، و إلّا فما المانع من أن تقدّم هذه المجموعة صدقة قبل النجوى، خاصّة أنّ الآية لم تحدّد مقدار الصدقة فبإمكانهم دفع مبلغ زهيد من المال لحلّ هذه المشكلة!! ثمّ يضيف تعالى: فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ.
و يعكس لنا التعبير ب (التوبة) أنّهم في نجواهم السابقة كانوا قد ارتكبوا ذنوبا، سواء في التظاهر و الرياء، أو أذى الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أو أذى المؤمنين الفقراء.
و بالرغم من عدم التصريح بجواز النجوى في هذه الآية بعد هذا الحادث، إلّا أنّ تعبير الآية يوضّح لنا أنّ الحكم السابق قد رفع.
أمّا الدعوة لإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و إطاعة اللّه و رسوله فقد أكّد عليها