الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٦ - عجبا لأخلاقك السامية
و بناء على هذا فإنّ الحرف المقطّع هنا لا يختلف عن تفسير بقيّة الحروف المقطّعة و التي أشرنا إليها سابقا.
ثمّ يقسم تعالى بموضوعين يعتبران من أهمّ المسائل في حياة الإنسان، فيقول تعالى: وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ.
كم هو قسم عجيب؟ و قد يتصوّر أنّ القسم هنا يتعلّق ظاهرا بمواضيع صغيرة، أي قطعة من القصب- أو شيء يشبه ذلك- و بقليل من مادّة سوداء، ثمّ السطور التي تكتب و تخطّ على صفحة صغيرة من الورق.
إلّا أنّنا حينما نتأمّل قليلا فيه نجده مصدرا لجميع الحضارات الإنسانية في العالم أجمع، إنّ تطور و تكامل العلوم و الوعي و الأفكار و تطور المدارس الدينية و الفكرية، و بلورة الكثير من المفاهيم الحياتية .. كان بفضل ما كتب من العلوم و المعارف الإنسانية في الحقول المختلفة، ممّا كان له الأثر الكبير في يقظة الأمم و هداية الإنسان .. و كان ذلك بواسطة (القلم).
لقد قسّمت حياة الإنسان إلى عصرين: (عصر التأريخ) و (عصر ما قبل التأريخ) و عصر تأريخ البشر يبدأ منذ أن اخترع الإنسان الخطّ و استطاع أن يدوّن قصّة حياته و أحداثها على الصفحات، و بتعبير آخر، يبدأ عند ما أخذ الإنسان القلم بيده، و دوّن للآخرين ما توصّل إليه (و ما يسطرون) تخليدا لماضيه.
و تتّضح عظمة هذا القسم بصورة أكثر عند ما نلاحظ أنّ هذه الآيات المباركة حينما نزلت لم يكن هنالك كتاب و لا أصحاب قلم، و إذا كان هنالك أشخاص يعرفون القراءة و الكتابة، فإنّ عددهم في كلّ مكّة- التي تمثّل المركز العبادي و السياسي و الاقتصادي لأرض الحجاز- لم يتجاوز ال (٢٠) شخصا. و لذا فإنّ القسم ب (القلم) في مثل ذلك المحيط له عظمة خاصّة.
و الرائع هنا أنّ الآيات الاولى التي نزلت على قلب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في (جبل النور) أو (غار حراء) قد أشير فيها أيضا إلى المنزلة العليا للقلم، حديث يقول تعالى: