الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤١ - أسوة للجميع
عليه السّلام أنّه إذا تبنّى طريق التوحيد فإنّه عليه السّلام سيستغفر له اللّه سبحانه، و قد عمل بما وعده به، إلّا أنّ آزر لم يؤمن و بقي على ضلاله، و عند ما اتّضح لإبراهيم أنّه عدوّ اللّه و سوف لن يؤمن أبدا، لم يستغفر له ثانية و قطع علاقته به.
و لمّا كان المسلمون مطّلعين على منهج إبراهيم عليه السّلام في تعامله مع «آزر» بصورة إجمالية، فقد كان من المحتمل أن يكون هذا الموقف موضع إحتجاج لأشخاص مثل (حاطب بن أبي بلتعة) حيث كانوا يقيمون العلاقات و الارتباطات السريّة مع الكفّار، و لهذا فالقرآن الكريم يقطع الطريق على مثل هذه التصوّرات و يعلن- صراحة- أنّ هذا الاستثناء قد تمّ تحت شروط خاصّة، و كان أسلوبا لاستدراج (آزر) إلى الهدى و إدخاله في الإيمان، و لم يكن لأهداف دنيوية آنية أو مصلحة وقتية، لذا يقول عزّ و جلّ في بيان هذا المعنى: وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ [١].
إلّا أنّ بعض المفسّرين يرى أنّ هذا الأمر كان استثناء من التأسّي ب (إبراهيم)، و قالوا يجب الاقتداء به في جميع الأمور إلّا في استغفاره لعمّه آزر.
إلّا أنّ هذا المعنى بعيدا جدّا لأنّه:
أوّلا: كان عليه السّلام أسوة في جميع الأمور و من ضمنها إتّباع هذا المنهج، و ذلك بلحاظ أنّ الشروط التي توفّرت في (آزر) توفّرت أيضا في بعض المشركين و عند ذلك لا بدّ من إظهاره المودّة لهم و تهيئة الأجواء الطيّبة لهم، و جذبهم للإيمان.
و ثانيا: أنّ إبراهيم عليه السّلام نبي معصوم من أنبياء اللّه العظام و من المجاهدين اللامعين، و أعماله كلّها أسوة للمؤمنين، و عندئذ لا داعي لاستثناء هذه المسألة من التأسّي به فيها.
[١]- التوبة، الآية ١١٤.