الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٠ - التجارة الرّابحة
وجود الوسائل و الإمكانات المالية، و من هنا فإنّنا نلاحظ أنّ البعض قادر على الجهاد بكلا النوعين (النفس و المال) و آخرين قادرون على الجهاد بالمال فقط و في المواقع الخلفية للجبهة، و بعض آخر مستعدّ للجهاد بالنفس و الجود بها في سبيل اللّه لأنّهم لا يملكون سواها.
إلّا أنّ الضرورة تستلزم أن يكون هذان النوعان من الجهاد توأمين متلازمين كلّ منهما مع الآخر لتحقيق النصر، و عند التدقيق في الآية المباركة نلاحظ أنّ تعالى قد قدّم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، لا باعتباره أكثر أهميّة، بل بلحاظ أنّه مقدّمة للجهاد بالنفس، لأنّ مستلزمات الجهاد لا تتهيّأ إلّا عند توفّر الإمكانات الماديّة.
لقد تمّ تسليط الأضواء على ثلاثة عناصر أساسية في هذه التجارة العظيمة و التي لا مثيل لها.
(فالمشتري) هنا هو اللّه سبحانه، و (البائع) هم المؤمنون، و (البضاعة) هي الأنفس و الأموال. و يأتي دور العنصر الرابع في هذه الصفقة و هو الثمن و العوض لهذه المعاملة العظيمة.
يقول تعالى: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ يُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [١].
و تستعرض الآية مرحلة الجزاء الاخروي في البداية حيث غفران الذنوب باعتبارها أهمّ عوامل القلق و عدم الراحة الفكرية و النفسية للإنسان، و عند ما يتحقّق الغفران له فمن المسلّم أنّ الراحة و الهدوء و الاطمئنان تنشر ظلالها عليه.
و من هنا نلاحظ أنّ أوّل هدية يتحف اللّه سبحانه بها عباده الذين استشهدوا
[١]- جملة (يغفر لكم) هي بمنزلة (جزاء) لشرط محذوف مستفاد من الآية السابقة و في التقدير هكذا: و إن تؤمنوا باللّه و رسوله و تجاهدوا في سبيله .. يغفر لكم ذنوبكم ...) كما يحتمل- أيضا- أنّ الجملة جواب (الأمر) ذلك الأمر مستفاد من الجملة الخبرية (تؤمنون) و (تجاهدون).