الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٦ - مكافحة السفور و خائنة الأعين
و ممّا يلفت النظر أنّ القرآن الكريم لم يحدد الشيء الذي يستوجب غضّ النظر عنه. (أي أنه حذف متعلّق الفعل) ليكون دليلا على عموميته. أي غضّ النظر عن جميع الأشياء التي حرم اللّه النظر إليها.
و لكن سياق الكلام في هذه الآيات، و خاصّة في الآية التالية التي تتحدث عن قضية الحجاب، يوضح لنا جيدا أنها تقصد النظر إلى النساء غير المحارم، و يؤكّد هذا المعنى سبب النّزول الذي ذكرناه [١] سابقا.
و يتّضح لنا ممّا سبق أن مفهوم الآية السابقة ليس هو حرمة النظر الحاد إلى النساء غير المحارم، ليتصور البعض أنّ النظر الطبيعي إلى غير المحارم مسموح به، بل إن نظر الإنسان يمتدّ إلى حيّز واسع و يشمل دائره واسعة، فإذا وجد امرأة من غير المحارم عليه أن يخرجها عن دائرة نظره. و ألّا ينظر إليها، و يواصل السير بعين مفتوحة، و هذا هو مفهوم غضّ النظر. (فتأملوا جيدا).
الحكم الثّاني في الآية السابقة: هو «حفظ الفروج». و «الفرج»- كما قلنا سابقا- يعني الفتحة و الفاصلة بين شيئين، إلّا أنّها هنا ورد كناية عن العورة.
و القصد من حفظ الفرج- كما ورد في الأحاديث- هو تغطيته عن الأنظار، و
قد جاء في حديث عن الإمام الصادق عليه السّلام قوله: «كلّ آية في القرآن فيها ذكر الفروج فهي من الزنا، إلّا هذه الآية فإنّها من النظر» [٢].
إن الإسلام نهى عن هذا العمل المندفع مع الأهواء النفسية و الشهوات، لأنّ ذلك أَزْكى لَكُمْ كما نصّت عليه الآية- موضع البحث- في ختامها.
ثمّ تحذر الآية أولئك الذين ينظرون بشهوة إلى غير محارمهم، و يبررون عملهم هذا بأنّه غير متعمّد فتقول: وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ.
[١]- اختلف المفسّرون في تعليل وجود «من» في جملة يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ فقال بعضهم إنّها للتبعيض و قيل: إنّها زائدة، و قيل: ابتدائية. و لكن الظاهر هو المعنى الأوّل.
[٢]- أصول الكافي، و تفسير علي بن إبراهيم (وفق ما نقله نور الثقلين المجلد الثالث، صفحة ٥٨٧، ٥٨٨).