الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٣ - النّبي ليس شاعرا
و منها: إن الضمير في الفعل يعود على الأفاكين، إذ أنّهم كانوا يلقون- ما يسمعون من الشياطين- إلى عامّة الناس، إلّا أن التّفسير الأوّل أصح ظاهرا [١]! و في الآية الرّابعة- من الآيات محل البحث- يردّ القرآن على اتهام آخر كان الكفار يرمون به النّبي فيدعونه شاعرا، كما في الآية (٥) من سورة الأنبياء بَلْ هُوَ شاعِرٌ و ربما دعوه بالشاعر المجنون، كما جاء في الآية (٣٦) من سورة الصافات وَ يَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ.
فالقرآن يردهم هنا ببيان بليغ منطقي، بأن منهج النّبي يختلف عن منهج الشعراء. فالشعراء يتحركون في عالم من الخيال، و هو يتحرك على أرض الواقع و الواقعيات، لتنظيم العالم الإنساني ...
و الشعراء يبحثون عن العيش و اللذة و الغزل (كما هي الحال بالنسبة لشعراء ذلك العصر في الحجاز خاصّة حيث يظهر ذلك من أشعارهم بوضوح).
و لذا فإن أتباعهم هم الضالون: وَ الشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ.
ثمّ يضيف القرآن على الجملة آنفة الذكر معقّبا أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ. [٢] فهم غارقون في أخيلتهم و تشبيهاتهم الشعرية، حتى أن القوافي تجرهم إلى هذا الاتجاه أو ذاك، و يهيمون معها في كل واد ...
و هم غالبا ليسوا أصحاب منطق و استدلال، و أشعارهم تنبع ممّا تهيج به عواطفهم و قرائحهم ... و هذه العواطف تسوقهم في كل آن من واد لآخر! ...
فحين يرضون عن أحد يمدحونه و يرفعونه إلى أوج السماء، و إن كان حقه أن
[١]- لأن (يلقون) في مثل هذه الموارد معناها نقل الأخبار و المطالب، كما جاء في الآية (٥٣) من سورة الحج لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ و جملة أَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ تتناسب مع الشياطين، لأن الأفّاكين كلهم كاذبون لا أكثرهم (فلاحظوا بدقة).
[٢]- «يهيمون» فعل مضارع من «الهيام»، و معناه المشي بلا هدف ...