الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٨ - شعيب و أصحاب الأيكة
لي طاعة للّه.
و اعلموا أنّي أبتغي ثوابه و وجهه وَ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ.
و هذه التعابير هي التعابير ذاتها التي دعا بها سائر الأنبياء أممهم، فهي متحدة المآل و مدروسة، إذ تدعو إلى التقوى، و تؤكّد على سابقة أمانة النّبي بين قومه، كما أنّها تؤكّد على أن الهدف من الدعوة إلى اللّه معنوي فحسب، و ليس ورائها هدف مادي، و لا يطمع أيّ من الأنبياء بما في يد الآخرين، ليكون مثارا للشكوك و ذريعة للمتذرعين! و «شعيب» كسائر الأنبياء الذين ورد جانب من تأريخ حياتهم في هذه السورة، فهو يدعو قومه بعد الدعوة العامّة للتقوى و طاعة اللّه، إلى إصلاح انحرافاتهم الأخلاقية و الاجتماعية و ينتقدهم على هذه الانحرافات، و حيث أن أهم انحراف عند قومه كان الاضطراب الاقتصادي، و الاستثمار و الظلم الفاحش في الأثمان و السلع، و التطفيف في الكيل، لذلك فقد اهتم بهذه المسائل أكثر من غيرها، و قال لهم: أَوْفُوا الْكَيْلَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ [١] الْمُسْتَقِيمِ وَ لا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ.
و في هذه الآيات الأخيرة الثلاث يأمر شعيب هؤلاء القوم الضالين بخمسة أوامر في عبارات موجزة، و يتصور بعض المفسّرين أن هذه العبارات بعضها يؤكّد بعضا، إلّا أن التدقيق فيها يدلّ على أن هذه الأوامر الخمسة في الواقع تشير إلى خمسة مطالب أساسية و مختلفة، أو بتعبير آخر: هي أربعة أوامر و نتيجة كليّة! ...
و لكي يتّضح هذه الاختلاف أو التفاوت، فإنه يلزم الالتفات إلى هذه
[١]- «القسطاس»، «على وزن نسناس» معناه «ميزان» ... قال بعضهم: أصل هذه الكلمة روميّة، و قال بعضهم. بل هي عربية، و يعتقد بعضهم أن القسطاس ميزان كبير، أما الميزان نفسه المستعمل في لغة العرب فهو الصغير، و قالوا: إن للقسطاس مؤشرا و لسانا فهو لذلك دقيق الوزن! ...