الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٣ - عاقبة قوم لوط
يكشف عن شدّة تنفّر لوط من أعمالهم ...
و الذي يسترعي النظر أن لوطا يقول: إنّي لعملكم من القالين. أي إنّني لا أعاديكم بأشخاصكم، بل أعادي أعمالكم المخزية، فلو ابتعدتم عن هذا العمل الشنيع فأنا محبّ لكم و غير قال لكم.
و أخيرا لم تؤثر مواعظ لوط و نصائحه في قومه، فبدّل الفساد مجتمعهم كلّه إلى مستنقع عفن ... و تمّت الحجة عليهم بمقدار كاف، و بلغت رسالة لوط مرحلتها النهائية ... فعليه أن يغادر هذه المنطقة العفنة، و أن ينجّي من معه ممن استجاب دعوته، لينزل عذاب اللّه على القوم الفاسقين فيهلكهم، فسأل لوط ربّه أن يخلّصه من قومه، فقال: رَبِّ نَجِّنِي وَ أَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ.
و بالرغم من أنّ بعضهم احتمل أن يكون المراد من الأهل من الآية جميع من آمن به ... إلّا أن الآية (٣٦) من سورة الذاريات تقول: فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
و لكن كما أشرنا من قبل- فإن بعض التعابير الواردة في الآيات محل البحث، تشير إلى أن جماعة من المؤمنين به كانوا قد أبعدوا و أخرجوا من القرية ...
و يستفاد ممّا قيل- ضمنا- أن دعاء لوط لأهله لم يكن بسبب العلاقة العاطفية و الارتباط النسبي القرابتي، بل لإيمانهم به ...
فاستجاب اللّه دعاؤه كما تقول الآية التالية: فَنَجَّيْناهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ. [١] و هذه العجوز لم تكن سوى زوج النّبي لوط التي كانت منسجمة مع أفكار قومه الضالين و عقيدتهم، و لم تؤمن بلوط أبدا، و لذلك ابتليت بما أبتلي به قومه من العذاب و الهلاك.
[١]- «الغابر» من مادة (الغبور) و معناه الباقي، و متى ما تحركت جماعة و بقي شخص في المكان فإنّه يدعى (غابرا) و لهذا السبب سمي التراب الباقي غبارا ... و الغبرة: الباقي من اللبن في ثدي الحيوان.