الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٨ - إنهم يعرضون عن كل جديد!
و الآية التالية تسرّي عن قلب النّبي و تثبته فتقول: لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
كلمة «باخع» مشتقّة من (البخع) (على وزن الدّمع)! و معناه إهلاك النفس من شدة الغمّ ... و هذا التعبير يدلّ على مدى تحرّق قلب النّبي و شفقته لأمته، و أداء رسالته، و ما كان عليه من إصرار في خطته، و تجلّد في مواجهة شدته و محنته، لأنّه يرى القلوب المتعطشة الظامئة في جوار النبع القرآني الزلال، و لكنّها لا تزال على ظمئها و لا ترتوي من معينه العذب، فكان يتحرق لذلك! كان قلقا- و باخعا نفسه- أن يرى الإنسان الذي منحه اللّه العقل و اللبّ يسير في الطريق المظالم، بالرغم من كل هذا الضياء، و يهوي في الوادي السحيق ليكون من الهالكين! أجل، كان جميع الأنبياء على هذه الشاكلة من الإشفاق على أممهم و لا سيما الرّسول الأعظم صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي ورد في شأنه هذا التعبير القرآني أكثر من مرّة ...
قال بعض المفسّرين: إن سبب نزول الآية الأنفة الذكر هو أن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يدعو أهل مكّة إلى توحيد اللّه باستمرار، إلّا أنّهم لم يؤمنوا. فأسف النّبي و تأثر تأثرا بالغا حتى بدت أماراته في وجهه، فنزلت الآية آنفة الذكر لتسرّي عن قلب النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم. [١] و لبيان أنّ اللّه على كل شيء قدير حتى أنّه يستطيع أن يسوقهم إلى الإيمان به سوقا و يضطرّهم إلى ذلك، فإنّ الآية التالية تقول: إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ.
و هي إشارة إلى أن اللّه قادر على إنزال معجزة مذهلة- من السماء- أو أن يرسل عليهم عذابا شديدا فيذعنوا له، يطأطئوا برؤوسهم خضوعا له، يستسلموا
[١]- تفسير أبو الفتوح الرازي، ج ٨ ذيل الآية محل البحث.