الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١٥ - المحاكمة بين المعبودين و عبدتهم الضالين
ففي الإجابة: قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ.
فليس فقط أنّنا لم ندعهم إلى أنفسنا، بل إنّنا كنّا نعترف بولايتك و ربوبيتك، و لم نقبل غيرك معبودا لنا و لغيرنا.
و كان سبب انحراف أولئك هو: أنّ اللّه تعالى رزقهم الكثير من مواهب الدنيا و نعيمها فتمتعوا هم و آباءهم و بدلا من شكر اللّه تعالى غرقوا في هذه الملذات و نسوا ذكر اللّه: وَ لكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَ آباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ و لهذا هلكوا و اندثروا وَ كانُوا قَوْماً بُوراً.
هنا يوجه اللّه تبارك و تعالى الخطاب إلى المشركين فيقول: فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ.
لأنّ الأمر هكذا، و كنتم أنتم قد أضللتم أنفسكم فليس لديكم القدرة على دفع العذاب عنكم: فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَ لا نَصْراً، وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً.
لا شك أنّ «الظلم» له مفهوم واسع، و مع أنّ موضوع البحث في الآية هو «الشرك» الذي هو أحد المصاديق الجلية للظلم، إلّا أنّه لا يقدح بعمومية المفهوم.
و الملفت للنظر أن «من يظلم» جاءت بصيغة الفعل المضارع، و هذا يدل على أن القسم الأوّل من البحث و أن كان مرتبطا بمناقشات البعث، لكن الجملة الأخيرة خطاب لهم في الدنيا، لعل قلوب المشركين تصبح مستعدة للتقبل على أثر سماعها (محاورات العابدين و المعبودين في القيامة)، فيحول الخطاب من القيامة إلى الدنيا فيقول لهم: وَ مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً. [١]
[١]- و يحتمل أن تكون الجملة الأخيرة استمرارا لمحاورة اللّه مع المشركين في القيامة، و لا يضرّ كون الفعل مضارعا، لأنّ جملة (من يظلم ..) ذكرت بصورة قانون عام (جملة شرطية)، و نعلم أنّ الأفعال في الجملة الشرطية تفقد مفهومها الزماني، و تبقى وحدة الارتباط بين الشرط و جوابه معتبرة.