الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢١ - عقوبة البهتان
الآية حكمين آخرين: وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ.
فهنا لا يقع مثل هؤلاء الأشخاص تحت طائلة العقاب الفيزيقي الشديد فحسب، بل إنّ كلامهم و شهادتهم يسقطان عن الإعتبار أيضا، لكيلا يتمكنوا من التلاعب بسمعة الآخرين و تلويث شرفهم في المستقبل، مضافا إلى أن وصمة الفسق تكتب على جبينهم فيفتضح أمرهم في المجتمع. و ذلك لمنعهم من تلويث سمعة الطاهرين.
و هذا التشديد في الحكم المشرّع لحفظ الشرف و الطهارة، ليس خاصا بهذه المسألة، ففي كثير من التعاليم الإسلامية نراه ماثلا أمامنا للأهمية البالغة التي يمنحها الإسلام لشرف المرأة و الرجل المؤمن الطاهر.
و
جاء في حديث عن الإمام الصادق عليه السّلام: «إذا اتهم المؤمن أخاه انماث الإيمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء» [١].
و لكنّ المولى العزيز الحكيم سبحانه و تعالى لا يسدّ باب رحمته في وجه التائبين، الذين تابوا من ذنوبهم و طهّروا أنفسهم، و ندموا على ما فرّطوا، و سعوا في تعويض ما فاتهم من البرّ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
و قد اختلف المفسّرون في كون هذا الاستثناء يعود إلى جملة أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ أو إلى جملة وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، فإذا كان الاستثناء عائدا إلى الجملتين معا، فمعنى ذلك قبول شهادتهم بعد التوبة و إزالته الحكم بفسقهم. أمّا إذا كان عائدا إلى الجملة الأخيرة، فإن الحكم عليهم بالفسق سيزول عنهم في جميع الأحكام الإسلامية، إلّا أن شهادتهم تظل باطلة لا تقبل منهم حتى آخر أعمارهم.
إلّا أن المبادئ المعمول بها في «أصول الفقه» تقول: «إن الاستثناء الوارد
[١]- أصول الكافي، المجلد الثاني، صفحة ٢٦٩، باب التهمة و سوء الظن.