الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١١ - آية النور!
و كل ذلك إشارة إلى مصاديق واضحة تذكرها الأحاديث كعادتها حين تفسير القرآن.
أجل، إنّ كلّ مركز يقام بأمر من اللّه، و يذكر فيه اسمه و يسبح له فيها بالغدو و الآصال، و فيه رجال لا تلهيهم تجارة عن ذكر اللّه، فهي مواضع لمشكاة الأنوار الإلهية و الإيمان و الهداية.
و لهذه البيوت عدّة خصائص.
أوّلها: أنّها شيّدت بأمر من اللّه.
و الأخرى: إن جدرانها رفعت و أحكم بناؤها لتمنع تسلل الشياطين.
و ثالثها: أنها مركز لذكر اللّه.
و أخيرا: فإنّ فيها رجالا يحرسونها ليل نهار، و هم يسبحون اللّه، و لا تلهيهم الجواذب الدنيوية عن ذكر اللّه.
هذه البيوت بهذه الخصائص، مصادر للهداية و الإيمان.
و لا بدّ من التنبيه إلى ورود كلمتين في هذه الآية هما «التجارة» و «البيع» و هما كلمتان تبدوان و كأنّ لهما معنى واحدا، إلّا أنّ الفرق بينهما هو أنّ التجارة عمل مستمر، و البيع ينجز مرة واحدة، و قد تكون عابرة.
و يجب الالتفات إلى أنّ الآية لم تقل: أنّ هؤلاء لا يمارسون أبدا التجارة و البيع بل قالت: إنّهم لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه.
إنّهم يخافون يوم القيامة و العدل الإلهي الذي تتقلّب فيه القلوب و الأبصار من الخوف و الوحشة (و يجب الانتباه إلى أنّ الفعل المضارع، «يخافون» يدلّ على الاستمرار في الخوف، و هذا الخوف هو الذي دفعهم إلى تحمل مسئولياتهم، و لبلوغ رسالتهم في الحياة).
و أشارت آخر هذه الآيات إلى الجزاء الوافي لحراس نور الهداية و عشّاق الحقّ و الحقيقة، فقالت: لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ،