الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦١ - للعقوبات حساب!
و يحتمل أن يكون المراد من «الغافلات» أنهن لا يعلمن بما ينسب اليهنّ من بهتان في الخارج، و لهذا السن في صدد الدفاع عن أنفسهنّ، و في النتيجة فإنّ الآية تطرح موضوعا جديدا للبحث، لأن الآيات السابقة تحدثت عن مثيري التهم الذين يمكن التعرف عليهم و معاقبتهم، إلّا أنّ الحديث هنا يدور حول مثيري الشايعات الذين أخفوا أنفسهم عن العقاب و الحدّ الشرعي: فتقول الآية: أنّ هؤلاء لا يتصوروا أنّهم بهذا العمل سيكون بإمكانهم تجنب العقاب الإلهي دائما، لأنّ اللّه تعالى سيبعدهم عن رحمته في هذه الدنيا. كما ينتظرهم العذاب العظيم في الآخرة.
إن هذه الآية رغم مجيئها بعد حديث الإفك، و ظهورها بمظهر الارتباط بذلك الحادث، فإنها كبقية الآيات التي تنزل لسبب خاص، و هي ذات مفهوم عامّ، لا تختص بحالة معينة.
و الذي يثير الدهشة هو إصرار بعض المفسّرين كالفخر الرازي في «التّفسير الكبير»، و آخرين، على أنّ مفهوم هذه الآية خاص باتهام نساء النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و يجعلون هذا الذنب بدرجة الكفر، و يستدلون بكلمة «اللعن» التي ذكرتها الآية، في الوقت الذي لا يمكن فيه اعتبار توجيه التهمة- حتى إن كان هذا الذنب عظيما كاتهام نساء النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لوحده سببا للكفر. لهذا لم يعامل النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أصحاب الإفك معاملة المرتدين عن دينهم. بل إن الآيات التالية التي بيّنا شرحها توصي بعدم تجاوز الحد المقرر لهم و عدم الإفراط في عقابهم، فذنبهم لا يوازي الكفر باللّه.
و أمّا «لعنة اللّه» فهي تصدق على الكافرين و مرتكبي الكبائر أيضا، و عليه أوردت هذه الآيات المتحدّثة عن حدّ القذف (في الأحكام الخاصّة باللعان) مرتين كلمة «لعن» ضد الكذابين المسيئين للناس. كما استعملت الأحاديث الإسلامية كرارا كلمة «اللعن» ضد مرتكبي الذنوب الكبيرة. و حديث «لعن اللّه في الخمر عشر طوائف ...» معروف.