الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٢ - تهمة أخرى للقرآن
أي أن محتوى هذا الكتاب العظيم الذي يدعو الى الحق و الطهارة و العدل و التقوى، و نفي كل أنواع الشرك، يدلّ دلالة واضحة على أنّه لا شباهة له بأفكار الشياطين و ما يلقونه. فالشياطين لا يصدر منهم إلّا الشر و الفساد، و هذا كتاب خير و صلاح، فالدقّة في محتواه تكشف عن أصالته.
ثمّ إن الشياطين ليست لهم القدرة على ذلك وَ ما يَسْتَطِيعُونَ.
فإذا كانت لهم القدرة فينبغي على سائر من كان في محيط نزول القرآن كالكهنة المرتبطين بالشياطين (أو على الأقل كان المشركون يدّعون بأنّهم مرتبطون بالشياطين) أن يأتوا بمثل هذا القرآن، مع أنّهم عجزوا عن الإتيان بمثله، و هذا العجز أثبت أن القرآن فوق قدرتهم و مستوى بلاغتهم و أفكارهم! ...
و مضافا إلى كل ذلك، فإن الكهنة أنفسهم كانوا يعترفون أنّهم بعد ولادة النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم انقطعت علاقتهم بالشياطين الذين كانوا يأتونهم بأخبار السماء و إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ.
و يستفاد من سائر آيات القرآن أن الشياطين كانوا يصعدون إلى السماء و يسترقون السمع من الملائكة، فينقلون ما يدور بين الملائكة من مطالب إلى أوليائهم، إلّا أنّه بظهور نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ولادته انقطع استراق السمع تماما، و زال الارتباط الخبري بين الشياطين و أوليائهم ...
و هذا الأمر كان يعلم به المشركون أنفسهم، و على فرض أن المشركين كانوا لا يعلمون، فإن القرآن أخبرهم بذلك. [١] و لذا فقد جعله القرآن دليلا في الآيات الأنفة لدحض ما يتقوله الأعداء ...
و هكذا فقد أجاب القرآن على هذا الاتهام من ثلاثة طرق:
[١]- لمزيد الإيضاح في منع الشياطين عن استراق السمع يراجع الجزء الأوّل من سيرة ابن هشام، ص ٢١٧ فما بعد.