الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣١ - العلاقة بين الإسراف و الفساد في الأرض!
التضاد و التزاحم، مؤلف تأليفا خاصا يتلائم معه أجزاؤه بعضها مع بعض في النتائج و الآثار ... فالكون يسير بالنظام الجاري فيه إلى غايات صالحة مقصودة، و هو بما بين أجزائه من الارتباط التام يخط لكل من أجزائه سبيلا خاصّا يسير فيها بأعمال خاصّة، من غير أن يميل عن حاق وسطها إلى يمين أو يسار أو ينحرف بإفراط أو تفريط، فإنّ في الميل و الانحراف إفسادا للنظام المرسوم و يتبعه إفساد غايته و غاية الكل ... و من الضروري أن خروج بعض الأجزاء عن خطه المخطوط له، و إفساد النظم المفروض له و لغيره، يستعقب منازعة بقية الأجزاء له، فإن استطاعت أن تقيمه و ترده إلى وسط الاعتدال فهو و إلّا أفنته و عفت آثاره، حفظا لصلاح الكون و استبقاء لقوامه و الإنسان الذي هو أحد أجزاء الكون غير مستثنى من هذه الكلية، فإن جرى على ما يهديه إليه الفطرة فاز بالسعادة المقدرة له، و إن تعدّى حدود فطرته و أفسد في الأرض، أخذه اللّه سبحانه بالسنين و المثلات و أنواع النكال و النقمة، لعله يرجع إلى الصلاح و السداد، قال اللّه تعالى: ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. [١] و إن أقاموا مع ذلك على الفساد- لرسوخه في نفوسهم- أخذهم اللّه بعذاب الاستئصال و طهّر الأرض من قذارة فسادهم قال اللّه تعالى: وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ اتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ وَ لكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ. [٢] [٣].
و من هنا يتّضح بجلاء، لم ذكر اللّه سبحانه في الآيات المتقدمة الإسراف و الفساد في الأرض و عدم الإصلاح، في سياق واحد و منسجم.
[١]- الروم، الآية ٤١.
[٢]- الأعراف، الآية ٩٦.
[٣]- راجع تفسير الميزان، الجزء ١٥، الصفحة ٣٣٣- ٣٣٤.