الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٠ - دعاء إبراهيم عليه السّلام
و لا اضمحلال ... النعم التي لا يمكن أن نتصورها نحن- سجناء الدنيا- فهي ما لا عين رأت و لا أذن سمعت! ...
و قلنا سابقا: إن التعبير بالإرث في شأن الجنّة إمّا لأنّ معنى الإرث الحصول على الشيء دون مشقّة و عناء، و من المسلّم أن تلك النعم التي في الجنّة تقاس بطاعاتنا، فطاعاتنا بالنسبة لا تمثل شيئا إليها! ... أو أنّ ذلك- طبقا لما ورد في بعض الرّوايات- لأن كل إنسان له بيت في الجنة و آخر في النار، فإذا دخل النّار ورث الآخرون بيته في الجنّة ...
و في خامس أدعيته يتوجه نظره إلى عمّه الضالّ، و كما وعده أنّه سيستغفر له، فإنّه يقول في هذا الدعاء: وَ اغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ.
و هذا الوعد هو ما صرحت به الآية (١١٤) من سورة التوبة إذ تحكي عنه وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ! وعده من قبل، و كان هدفه أن ينفذ إلى قلبه عن هذا الطريق، و أن يجرّه إلى طريق الإيمان، لذلك قال له مثل هذا القول و عمل به أيضا ... و طبقا لرواية عن ابن عباس أن إبراهيم عليه السّلام استغفر لعمّه آزر مرارا، إلّا أنه حين غادر آزر الدنيا كافرا و ثبت عداؤه للدين الحق، قطع إبراهيم استغفار عن عمه، كما نرى في ذيل الآية النص التالي: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ. [١] و أخيرا فإنّ دعاءه السادس من ربّه في شأن يوم التغابن، يوم القيامة، بهذه الصورة وَ لا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ.
(و لا تخزني)، مأخوذ من مادة (خزي) على زنة (حزب) و كما يقول الراغب في مفرداته، معناه الذل و الانكسار الروحي الذي يظهر على وجه الإنسان من
[١]- لمزيد الإيضاح يراجع تفسير الآية ١١٤ سورة التوبة.