الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٨ - دعاء إبراهيم عليه السّلام
بالصالحين ...
و «الحكم» و «الحكمة» كلاهما من جذر واحد ... و «الحكمة» كما يقول عنها الراغب في مفرداته: هي الوصول إلى الحق عن طريق العلم و معرفة الموجودات و الأفعال الصالحة، و بتعبير آخر: هي معرفة القيم و المعايير التي يستطيع الإنسان بها أن يعرف الحق حيثما كان، و يميز الباطل في أي ثوب كان، و هو ما يعبّر عنه عند الفلاسفة ب «كمال القوّة النظرية».
و هي الحقيقة التي تلقّاها لقمان من ربّه وَ لَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ. [١] و عبّر عنها بالخير الكثير في الآية (٢٦٩) من سورة البقرة وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً.
و يبدو أنّ للحكم مفهوما أسمى من الحكمة ... أي إنّه العلم المقترن بالاستعداد للتنفيذ و العمل، و بتعبير آخر: إن الحكم هو القدرة على القضاء الصحيح الخالي من الهوى و الخطأ! أجل، إنّ إبراهيم عليه السّلام يطلب من اللّه قبل كل شيء المعرفة العميقة الصحيحة المقرونة بالحاكميّة، لأن أي منهج لا يتحقق دون هذا الأساس! و بعد هذا الطلب يسأل من اللّه إلحاقه بالصالحين، و هو إشارة إلى الجوانب العملية، أو كما يصطلح عليها ب «الحكمة العملية» في مقابل الطلب السابق و هو «الحكمة النظرية»! ...
و لا شك أن إبراهيم عليه السّلام كان يتمتع بمقام «الحكم» و كان في زمرة الصالحين أيضا ... فلم سأل اللّه ذلك؟! الجواب على هذا السؤال هو أنّه ليس للحكمة حد معين، و لا لصلاح الإنسان حدّ، فهو يطلب ذلك ليبلغ المراتب العليا من العلم و العمل يوما بعد يوم، حتى و هو
[١]- سورة لقمان، الآية ١٢.