الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٢ - أعبد ربّا هذه صفاته
لذلك تعقّب هذه الآيات على قصّة موسى و فرعون المليئة بالدروس لتبيّن قصة إبراهيم و مواجهاته المشركين، و تبدأ هذه الآيات بمحاورة إبراهيم لعمه آزر [١] فتقول:
وَ اتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ.
و من بين جميع الأخبار المتعلقة بهذا النبيّ العظيم يركّز القرآن الكريم على هذا القسم: إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَ قَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ؟
من المسلّم به أنّ إبراهيم كان يعلم أيّ شيء يعبدون، لكن كان هدفه أن يستدرجهم ليعترفوا بما يعبدون، و التعبير ب «ما» مبيّن ضمنا نوعا من التحقير! فأجابوه مباشرة قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ! و هذا التعبير يدلّ على أنّهم يحسّوا بالخجل من عملهم هذا، بل يفتخرون به، إذا كان كافيا أن يجيبوه:
نعبد أصناما، إلّا أنّهم أضافوا هذه العبارة: فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ! التعبير ب «نظلّ» يطلق عادة على الأعمال التي تؤدي خلال اليوم، و ذكره بصيغة الفعل المضارع إشارة إلى الاستمرار و الدوام.
كلمة «عاكفين» مأخوذة من «العكوف»، و معناه التوجه نحو الشيء و ملازمته باحترام، و هي تأكيد لما سبق من التعبير.
«الأصنام» جمع الصنم، و هو الهيكل أو التمثال المصنوع من الذهب أو الخشب أو ما شاكلهما للعبادة، و كانوا يتصورون أنها مظهر للتقديس ...
و على كل حال، فإنّ إبراهيم لما سمع كلامهم رشقهم بنبال الإشكال و الاعتراض بشدّة، و قمعهم بجملتين حاسمتين جعلهم في طريق مغلق، ف قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ؟! إن أقلّ ما ينبغي توفره في المعبود هو أن يسمع نداء عابده، و أن ينصره في
[١]- بيّنا مرارا أنّ لفظ «الأب» يطلق في لغة العرب و القرآن على الوالد كما يطلق على العم، و هنا استعمل هذا اللفظ بمعناه الثاني.