الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٠ - الاتهام بالجنون و التهديد بالسجن
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ ما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ.
فإذا كنت- يا فرعون- تحكم حكما ظاهريّا في أرض محدودة تدعى مصر، فإنّ حكومة ربّي الواقعية تسع المشرق و المغرب و ما بينهما جميعا، و آثاره تشرق في وجوه الموجودات! ... و أساسا فإنّ هذه الشمس في شروقها و غروبها و ما يتحكم فيها من نظام، كل ذلك بنفسه آية له و دليل على عظمته ... إلّا أنّ العيب كامن فيكم، لأنّكم لا تعقلون، و لم تعتادوا التفكير (و ينبغي الالتفات إلى أن جملة إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هي إشارة إلى أنه لو كنتم تتفكرون و تستعملون العقل في ماضي حياتكم و حاضرها لتوصلتم إلى إدراك هذه المسألة).
و في الواقع إن موسى عليه السّلام أجاب على اتهامهم إياه بالجنون بأسلوب بليغ بأنّه ليس مجنونا، و أن المجنون هو من لا يرى كل هذه الآثار و دلائل وجود الخالق، و العجيب أنه مع وجود الآثار على باب الدار و الجدار، فانه يوجد من لا يفكر في هذه الآثار!».
و صحيح أنّ موسى عليه السّلام أشار بادئ الأمر إلى تدبير أمر السماوات و الأرض، إلّا أنه حيث أن السماء عالية جدا، و أن الأرض ذات أسرار غريبة، فقد وضع موسى عليه السّلام أخيرا إصبعه على نقطة لا يمكن لأحد إنكارها، و يواجهها الإنسان كلّ يوم، و هي نظام طلوع الشمس و غروبها و ما فيها من منهج دقيق ... و ليس لأحد من البشر أن يدعي أنّ بيده نظامها أبدا ...
و التعبير ب «ما بينهما» إشارة إلى الوحدة و الارتباط في ما بين المشرق و المغرب، و هكذا كان التعبير في شأن السماوات و الأرض. قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُمَا.
و يبيّن التعبير رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ أيضا ارتباط النسل و الوحدة فيه ...
غير أن هذا المنطق المتين الذي لا يتزعزع غاظ فرعون بشدة، فالتجأ إلى