الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٩ - الاتهام بالجنون و التهديد بالسجن
يقول ابن عباس: كان الذين حول فرعون هناك خمسمائة نفر، و هم يعدّون من خواص قومه. [١] و كان الهدف من كلام فرعون أن لا يترك كلام موسى المنطقي يؤثر في القلوب المظلمة لأولئك الرهط ... فعدّه كلاما بلا محتوى و غير مفهوم.
إلّا أن موسى عليه السّلام عاد مرّة أخرى إلى كلامه المنطقي دون أي خوف و لا وهن و لا إيهام، فواصل كلامه و قالَ رَبُّكُمْ وَ رَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ.
إن موسى عليه السّلام بدأ في المرحلة الأولى ب «الآيات الآفاقية»، و في المرحلة الثّانية أشار إلى «الآيات الانفسية»، و أشار إلى أسرار الخلق في وجود الناس أنفسهم و آثار ربوبية اللّه في أرواح البشر و أجسامهم، ليفكر هؤلاء المغرورون على الأقلّ في أنفسهم و يحاولوا التعرّف عليها و بالتالي معرفة من خلقها.
إلّا أن فرعون تمادى في حماقته، و تجاوز مرحلة الاستهزاء إلى اتهام موسى بالجنون، ف قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ...
و ذلك ما اعتاده الجبابرة و المستكبرون على مدى التاريخ من نسبة الجنون إلى المصلحين الرّبانيين! ...
و ممّا يستجلب النظر أن هذا الضالّ المغرور لم يكن مستعدّا حتى لأنّ يقول:
«إنّ رسولنا الذي أرسل إلينا»، بل قال: «إنّ رسولكم الذي أرسل إليكم»، لأن التعبير برسولكم- أيضا- له طابع الاستهزاء المقترن بالنظرة الاستعلائية ... يعني:
إنني أكبر من أن يدعوني رسول ... و كان الهدف من اتهامه موسى بالجنون هو إحباط و إفشال منطقه القويّ المتين لئلا يترك أثرا في أفكار الحاضرين.
إلّا أن هذه التهمة لم تؤثر في روح موسى عليه السّلام و معنوياته العالية، و واصل بيان آثار اللّه في عالم الإيجاد في الآفاق و الأنفس، مبينا خط التوحيد الأصيل ف
[١]- راجع تفسير أبي الفتوح الرازي ذيل الآية محل البحث.