الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٢٣ - جزاء «عباد الرحمن»
أوصافهم، لكن هذا في الحقيقة ليس وصفا جديدا، بل هو ضمانة تطبيق جميع الصفات السابقة، و إلّا فهل يمكن أن نتصور عبادة الخالق، و مواجهة الطغيان و الشهوات، و ترك شهادة الزور، و التواضع و الخشوع و غيرها من الصفات بدون صبر و استقامة.
هذا البيان يذكّر الإنسان بالحديث المعروف
عن أمير المؤمنين علي عليه السّلام حيث يقول: «و الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد»
فبقاء الجسد من بقاء الرأس، ذلك لأن قيادة جميع أعضاء البدن تستقر في دماغ الإنسان.
و على هذا فللصبر هنا مفهوم واسع، فالتحمل و الصمود أمام مشكلات طريق الحق، و الجهاد و المواجهة ضد العصاة، و الوقوف أمام دواعي الذنوب، تجتمع كلها في ذلك المفهوم، و إذا فسر في بعض الرّوايات بالصبر على الفقر و الحرمان المالي، فمن المسلم أن ذلك من قبيل بيان المصداق.
ثمّ يضيف تعالى: وَ يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَ سَلاماً.
أهل الجنّة يحي بعضهم بعضا، و تسلم الملائكة عليهم، و أعلى من كل ذلك أن اللّه يحييهم و يسلم عليهم، كما نقرأ في الآية (٥٨) من سورة يس سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ، و نقرأ في الآية (٢٣ و ٢٤) من سورة يونس وَ الْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ....
ترى هل ل «التحية» و «السّلام» هنا معنيان، أم معنى واحد!؟ ثمّة أقوال بين المفسّرين، لكن مع الالتفات إلى أن «التحية» في الأصل بمعنى الدعاء لحياة الغير، و «سلام» من مادة السلامة، و بمعنى الدعاء للغير.
على هذا نستنتج: أن الكلمة الأولى بعنوان طلب الحياة، للمخاطب و الكلمة الثّانية طلب اقتران هذه الحياة مع السلامة، و لو أن هاتين الكلمتين تأتيان بمعنى واحد أحيانا.