الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٣ - بحران متجاوران عذب فرات و ملح أجاج
لكن العادة ليست كذلك، فهذا الماء «العذب الفرات» المستقر إلى جوار الماء «المالح و الأجاج» يعدّ ذخيرة عظيمة لهم.
معلوم أن وجود العلل الطبيعية في مثل هذه المسائل لا يقلل من قيمتها أبدا، و إلّا فما هي الطبيعة؟ ليست هي إلّا فعل اللّه و إرادته و مشيئته، و هو تعالى الذي منح هذه الخواص لهذه الموجودات.
و الملفت للنظر أنّ الإنسان حينما يجتاز هذه المناطق بالطائرة، يرى جيدا هذان الماءان المختلفان في اللون، غير الممتزجين، فيذكّر هذا المشهد الإنسان بهذه النكتة القرآنية.
إنّ جعل هذه الآية وسط آيات تتعلق ب «الكفر» و «الإيمان» ربّما تكون أيضا إشارة و تمثيلا لهذا الأمر، ففي المجتمع الواحد أحيانا، و في المدينة الواحدة، بل حتى في البيت الواحد أحيانا، يتواجد أفراد مؤمنون كالماء العذب و الفرات، مع أفراد بلا إيمان كالماء المالح الأجاج ... مع طرازين من الفكر، و نوعين من العقيدة، و نمطين من العمل، طاهر و غير طاهر، دون أن يمتزجا.
في الآية التالية- بمناسبة البحث في نزول المطر، و في البحرين العذب و الأجاج المتجاورين يتحدث القرآن الكريم عن خلق الإنسان من الماء، فيقول تعالى: وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً.
حقا إن النحت في الماء، و خلق صورة بديعة كهذه على الماء، دليل على عظمة قدرة الخالق، و كان الكلام في الآيات السابقة حول إحياء النباتات بواسطة المطر، و الكلام- هنا عن مرحلة أعلى، يعني خلق الإنسان من الماء.
و بين المفسّرين أقوال في المراد من الماء هنا:
ذهب جماعة أنّ المقصود من «بشر» هو الإنسان الأول، يعني آدم عليه السّلام، ذلك لأنّ خلقه كان من «طين» يعني عجينا من ماء و تراب، إضافة إلى أن الماء كان أوّل موجود خلقه اللّه تعالى طبقا للرّوايات الإسلامية، و خلق الإنسان من ذلك الماء،