الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧٢ - حركة الظلال
إشارة إلى أن مفهوم الظل لم يكن ليتّضح لو لم تكن الشمس، فالظل من حيث الأصل يخلق بسبب ضياء الشمس، لأنّ «الظل» يطلق عادة على الظلمة الخفيفة اللون التي تظهر الأشياء فيها، و هذا في حالة ما إذا أضاء النور جسما مانعا لنفوذ النور، فإن الظل يبدو في الجهة المقابلة. بناء على هذا فليس تشخيص الظل يتم بواسطة النور طبقا لقاعدة «تعرف الأشياء بأضدادها» فقط، بل إنّ وجوده أيضا من بركة النور.
بعد ذلك يبيّن تعالى: ثمّ إنّنا نجمعه جمعا وئيدا ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً.
من المعلوم أن الشمس حينما تطلع فإنّ الظلال تزول تدريجيا، حتى يحين وقت الظهر حيث ينعدم الظل تماما في بعض المناطق، لأنّ الشمس آنئذ تستقر تماما فوق رأس كل موجود، و في مناطق أخرى يصل إلى أقل من طول الشاخص، و لهذا فالظل لا يظهر و لا يختفي دفعة واحدة، و هذا نفسه حكمة الخالق، ذلك لأنّ الانتقال من النور إلى الظلمة بشكل فجائي يكون ضارا بجميع المخلوقات. لكن هذا النظام المتدرج في هذه الحالة الانتقالية له أكبر المنفعة بالنسبة إلى الموجودات، دون أن يكون له أي ضرر.
التعبير ب «يسيرا» إشارة إلى انقباض الظل التدريجي، أو إشارة إلى أن نظام النور و الظلمة الخاص، شيء يسير هين بالنسبة إلى قدرة الخالق. و كلمة (إلينا) تأكيد على هذه القدرة أيضا.
على أية حال، لا شك أن الإنسان كما يحتاج إلى أشعة «النور» في حياته، فهو كذلك يحتاج إلى «الظل» لتعديل و منع «النور» أوقات اشتداده، فكما أنّ أشعة النور المستديمة تربك الحياة، كذلك فإنّ الظل الدائم الساكن مهلك أيضا.
في الحالة الأولى تحترق جميع الموجودات، و في الحالة الثّانية تنجمد جميعا، و لكن هذا النظام المتناوب من «النور» و «الظل» هو الذي يجعل الحياة ممكنة و سائغة للإنسان.