الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٦ - ١- تفسير
وحدك لك عدوّ، بل لقد جعلنا لكل نبي عدوّا، و لازم هذا القول إسناد وجود أعداء الأنبياء إلى اللّه تعالى، الأمر الذي لا يتفق مع حكمته و لا مع أصل حرية و إرادة الإنسان. ذكر المفسّرون أجوبة متعددة على هذا السؤال ...
قلنا مرارا أن جميع أعمال الإنسان منسوبة إلى اللّه، لأنّ جميع متعلقاتنا، قدرتنا، قوانا، عقلنا و فكرنا، و حتى حريتنا و اختيارنا أيضا من عنده، و على هذا فمن الممكن من هذه الناحية نسبة وجود الأعداء للأنبياء إلى اللّه، دون أن يستلزم ذلك الجبر و سلب الإختيار، و لا يرد خدش في مسئوليتهم إزاء أعمالهم (فتأمل)! مضافا إلى أن وجود هؤلاء الأعداء الأشداء و مخالفتهم للأنبياء، يكون سببا في أن يصبح المؤمنون أقوى في عملهم، و أثبت قدما، فيتحقق الامتحان الإلهي بالنسبة إلى الجميع.
هذه الآية في الحقيقة مثل الآية (١١٢) من سورة الأنعام حيث تقول:
وَ كَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ، يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً.
أمام الأزاهير تنمو الأشواك، و في قبال المحسنين يوجد المسيئون، دون أن تنتفي مسئولية أي واحد من هاتين المجموعتين.
و قال البعض: إنّ المقصود من «جعلنا» هي أوامر و نواهي و مناهج الأنبياء البناءة التي تجر بعض الضالين إلى العداوة، شاؤوا أم أبوا.
و إذا أسند ذلك إلى اللّه فلأن الأوامر و النواهي من جهته عزّ و جلّ.
التّفسير الآخر: أن هنالك فئة يطبع اللّه على قلوبهم و يعمي أبصارهم و يصم أسماعهم بسبب الإصرار على الذنب و الإفراط في التعصب و اللجاجة، هذه الفئة يصبحون أعداء الأنبياء في نهاية المطاف، أمّا أسباب ذلك فهي بما قدموا لأنفسهم.
و لا منافاة بين هذه التفاسير الثلاثة، فمن الممكن أن تجتمع كلها في مفهوم الآية.