الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٤٣ - إلهي، إنّ الناس قد هجروا القرآن
وَ قالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً. [١] قول الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم هذا، و شكواه هذه، مستمران إلى هذا اليوم من فئة عظيمة من المسلمين، يشكو بين يدي اللّه أنّهم دفنوا القرآن بيد النسيان، القرآن الذي هو رمز الحياة و وسيلة النجاة، القرآن الذي هو سبب الإنتصار و الحركة و الترقي، القرآن الممتلئ ببرامج الحياة، هجروا هذا القرآن فمدّوا يد الاستجداء إلى الآخرين، حتى في القوانين المدنية و الجزائية.
إلى الآن، لو تأملنا في وضع كثير من البلدان الإسلامية، خصوصا أولئك الذين يعيشون تحت هيمنة الشرق و الغرب الثقافية، لوجدنا أنّ القرآن بينهم كتاب للمراسم و التشريفات، يذيعون ألفاظه وحدها بأصوات عذبة عبر محطات البث، و يستخدمونه في زخرفة المساجد بعنوان الفن المعماري، و لافتتاح منزل جديد، أو لحفظ مسافر، و شفاء مريض، و على الأكثر للتلاوة من أجل الثواب.
و يستدلون بالقرآن، أحيانا و غايتهم إثبات أحكامهم المسبّقة الخاطئة من خلال الاستعانة بالآيات، و بالاستفادة من المنهج المنحرف في التّفسير بالرأي.
في بعض البلدان الإسلامية، هناك مدارس في طول البلاد و عرضها بعنوان:
مدارس «تحفيظ القرآن» و فريق عظيم من الأولاد و البنات مشغولون بحفظ القرآن، في الوقت الذي تؤخذ أفكارهم عن الغرب حينا، و عن الشرق حينا آخر، و تؤخذ قوانينهم و قراراتهم من الأجانب، أمّا القرآن فغطاء لمخالفاتهم فقط.
نعم، اليوم أيضا يصرخ النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً. مهجورا من ناحية لبّه و محتواه، متروكا من ناحية الفكر و التأمل،
[١]- الظاهر أن جملة «قال» فعل ماض، تدل على أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان قد ذكر هذا القول على سبيل الشكوى في هذه الدنيا، و أكثر المفسّرين أيضا على هذا الإعتقاد، لكن بعضا آخر مثل «العلامة الطباطبائي» في «الميزان» يعتقدون أن هذا القول مرتبط بيوم القيامة، و الفعل الماضي هنا بمعنى المضارع. و ذكر العلامة الطبرسي في مجمع البيان أيضا هذا على سبيل الاحتمال، لكن الآية التي بعدها، و التي فيها جنبة مواساة للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دليل على أن التّفسير المشهور هو الأصح.