الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - أضلني صديق السوء
هذا التعبير عادة بالنسبة إلى الأشخاص المهووسين من شدّة الحسرة و الأسف، كما في المثل العربي، لأن الإنسان في مثل هذه الحالات لا يعض الإصبع دائما، بل يعض ظاهر اليد أحيانا، و كثيرا ما يقال- كما في الآية الآية مورد البحث- «يديه» يعني كلتا اليدين حيث تبيّن شدّة الأسف و الحسرة بنحو أبلغ.
و هذا العمل يصدر من هؤلاء الأشخاص حينما يطلعون على ماضيهم، و يعتبرون أنفسهم مقصرين، فيصممون على الانتقام من أنفسهم بهذا الشكل لتهدئة سورة الغضب في نفوسهم و الشعور بالراحة.
و ينبغي حقّا، أن يسمى ذلك اليوم يَوْمَ الْحَسْرَةِ كما ورد هذا الوصف بالذات في القرآن ليوم القيامة أيضا (سورة مريم الآية ٣٩)، ذلك لأن المجرمين يرون أنفسهم في أتعس حال بين يدي الحياة الخالدة، في الوقت الذي كانوا يستطيعون خلال أيام من الصبر و الاستقامة و مجاهدة النفس و الإيثار أن يستبدلوا ذلك بحياة مشرفة و سعيدة، و هو يوم أسف أيضا حتى بالنسبة إلى المحسنين، فهم يأسفون على أنّهم: لماذا لم يحسنوا أكثر.
ثمّ يضيف القرآن الكريم أنّ هذا الظالم المعتدي الغارق في عالم الأسف، يقول: يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا. [١] واضح أن المقصود ب «فلان» هو ذلك الذي أضله: الشيطان أو صديق السوء أو القريب الضال، و فرد مثل «أبي» ل «عقبة» الذي ورد في سبب النّزول.
هذه الآية- و الآية التي قبلها- تعرضان حالتي نفي و إثبات متقابلتين في مكان واحد، يقول تعالى: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا، و هنا يقول:
... لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا حيث كانت التعاسة كلها في ترك الارتباط بالنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و قبول الارتباط بهذا الخليل الضال.
[١]- «خليل» تطلق بمعنى الصديق الخاص الحميم حيث يجعله الإنسان مشاورا لنفسه. و للخليل معان أخرى أيضا قد أوردناها في ذيل الآية (١٢٥) من سورة النساء.