الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٥ - الاتهامات المتعددة الألوان
تقول بمنطق واضح و بسيط، و في نفس الوقت قاطع و داحض: وَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ.
المعبود الحقيقي هو خالق عالم الوجود، و لا يدعي المشركون هذا الادعاء لأوثانهم، بل يعتقدون أنّها مخلوقة للّه.
و بعد، فما ذا يمكن أن تكون دوافعهم لعبادة الأوثان التي لا تملك لنفسها نفعا و لا ضرا، و لا تملك موتا و لا حياة و لا نشورا، فما بالك بما تستطيعه للآخرين!؟
وَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَ لا نَفْعاً وَ لا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَ لا حَياةً وَ لا نُشُوراً.
و الأصول المهمّة عند الإنسان هي هذه الأمور الخمسة بالذات: النفع و الضر، و الموت، و الحياة، و النشور.
فمن يكن بحق مالكا أصيلا لهذه الأمور، يكن بالنسبة إلينا جديرا بالعبادة.
لكن هذه الأصنام غير قادرة أصلا على هذه الأمور لنفسها، فكيف تريد أن توفّر هذه الأمور لمن يعبدها من المشركين؟! أي منطق مفتضح هذا!؟ أن ينقاد الإنسان و يتذلل على أعتاب موجود لا اختيار له في نفسه، فما بالك باختياره للآخرين!؟
هذه الأوثان ليست عاجزة في الدنيا عن حل مشكلة ما لعبدتها فحسب، بل إنّها لا يؤمل منها شيء في الآخرة أيضا.
هذا التعبير يدل على أنّ هذه الفئة من المشركين، المخاطبة في هذه الآيات، كانت تقبل بالمعاد نوعا من القبول (المعاد الروحي لا الجسدي)، أو أن القرآن- حتى مع عدم اعتقادهم بمسألة المعاد- يتناول القضية كمسلّمة، فيخاطبهم بشكل قاطع على هذا الصعيد، و هذا مألوف، فالإنسان أحيانا يكون أمام شخص منكر للحقيقة، لكنّه يدلي بكلامه طبقا لأفكاره هو، دون اعتناء بأفكار ذلك المنكر.
خاصّة و أنّ دليلا ضمنيا على المعاد قد كمن في نفس الآية، لأنّ خالقا حينما يبتدع مخلوقا- و هو مالك موته و حياته و ضرّه و نفعه- لا بدّ أن يكون له هدف من خلقه،