الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٥ - الإيمان و التسليم التام إزاء الحقّ
و قد وردت كلمة «الخروج» و مشتقاتها في القرآن المجيد بمعنى الخروج إلى ميادين الجهاد تارة، و ترك المنزل و الأهل و الوطن في سبيل اللّه تعالى تارة أخرى، إلّا أنّ الآيات السابقة التي تحدثت عن حكم الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم في القضايا المختلفة يجعلنا نتقبل التّفسير الثّاني. بمعنى أن المنافقين جاءوا إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ليعربوا عن طاعتهم لحكمه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و التسليم له، فأقسموا على إخراج قسم من أموالهم، بل أن يتركوا الحياة الدنيا إن أمرهم بذلك.
و لا مانع من الجمع بين التّفسيرين، أي إنّهم كانوا على استعدادهم لترك أموالهم و أهليهم، و الخروج للجهاد و لتضحية في سبيل اللّه.
و لكن بما أنّ المنافقين يتقلبون في مواقفهم بحسب الظروف السائدة في المجتمع، فتراهم يقسمون الأيمان المغلّظة حتى تشعر بأنّهم كاذبون، فقد ردّ القرآن- بصراحة- أنّه لا حاجة إلى اليمين، و إنّما لا بدّ من البرهنة على صدق الادعاء بالعمل، لأنّ اللّه خبير بما تعملون. يعلم هل تكذبون في يمينكم، أم تبغون تعديل مواضعكم واقعا؟
لهذا أكدت الآية التالية- التي هي آخر الآيات موضع البحث- هذا المعنى، و تقول للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أن: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ.
ثمّ تضيف الآية أنّ هذا الأمر لا يخرج عن إحدى حالتين: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَ عَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ ففي صورة العصيان فقد ادّى وظيفته و هو مسئول عنها كما أنّكم مسئولون عن أعمالكم حين أن وظيفتكم الطاعة، و لكن وَ إِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا لأنّه قائد لا يدعو لغير سبيل اللّه و الحقّ و الصواب.
في كل الأحوال وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ و إنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم مكلّف بإبلاغ الجميع ما أمر اللّه به، فإن أطاعوه استفادوا، و إن لم يطيعوه خسروا. و ليس على النّبي أن يجبر الناس على الهداية و تقبّل دعوته.
و ما يلفت النظر في الآية السابقة تعبيرها عن المسؤولية ب «الحمل» الثقيل