الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٣ - الإيمان و التسليم التام إزاء الحقّ
أمّا الآيات- موضع البحث- فإنّها تشرح موقف المؤمنين إزاء حكم اللّه و رسوله، فتقول إِنَّما كانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وَ أَطَعْنا.
ما أجمل هذا التعبير المختصر و المفيد سَمِعْنا وَ أَطَعْنا! و قد وردت كلمة «إنّما» في الآية السابقة لتحصر كلام المؤمنين في عبارة سَمِعْنا وَ أَطَعْنا و الواقع أن حقيقة الايمان يكمن في هاتين الكلمتين فقط.
كيف يمكن أن يرجّح شخص حكم شخص آخر على حكم اللّه، و هو يعتقد بأنّ اللّه عالم بكلّ شيء، و لا حاجة له بأحد، و هو الرحمن الرحيم؟ و كيف له أن يقوم بعمل إزاء حكم اللّه إلّا السمع و الطاعة؟
فما أحسن هذه الوسيلة لامتحان المؤمنين الحقيقيين و نجاحهم في الامتحان؟! لهذا تختتم الآية حديثها بالقول: وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ و لا شك في أنّ الفلاح نصيب الذي يسلّم أمره إلى اللّه، و يعتقد بعدله و حكمه في حياته المادية و المعنوية.
و تابعت الآية الثّانية هذه الحقيقة بشكل أكثر عمومية، فتقول: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَخْشَ اللَّهَ وَ يَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ [١].
و قد وصفت هذه الآية المطيعين المتقين بالفائزين، كما وصفت الآية السابقة الذين يرضخون لحكم اللّه و رسوله بالمفلحين.
و تفيد مصادر اللغة أنّ «الفوز» و «الفلاح» بمعنى واحد تقريبا، قال الراغب الأصفهاني في مفرداته: «الفوز: الظفر بالخير مع حصول السلامة» و «الفلاح: الظفر و ادراك البغية» (و في الأصل بمعنى الشق، و بما أنّ الأشخاص المفلحين يشقون طريقهم إلى مقصدهم و يزيلون العقبات منه أطلق الفلاح على الفوز أيضا) و بما أن
[١]- أصل «يتقه» بسكون القاف و كسر الهاء «يتقه» و قد حذفت الياء منها لأنّها في حالة جزم و قد حذفت إحدى الكسرتين المتاليتين لأنّها ثقيلة للفظ.