سند العروة الوثقى، كتاب النكاح - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٧ - الروايات الواردة في المقام
السياق قد استوقف الكثير عن الحكم بكونهم مشركين، بل حكم غير واحد من المعاصرين بكونهم أهل كتاب، و لكن الظاهر أن السياق غاية ما يثبت أن لهم نحلة و ملة يقر فيها بأصل وجود الباري و المعاد و بلزوم العمل الصالح بنحو عام، إذ لو لم يُقرّوا بذلك لما كانت لهم أهلية صالحة لخطاب القرآن الكريم إياهم و دعوتهم إلى الإيمان الصحيح بالله بنحو التوحيد الصحيح و الإيمان بالمعاد بالنحو الصحيح، أي الذي يتحدد إليه العمل الصالح و صلاح العمل و ما يتوصل إليه العقل البشري.
هذا غاية ما يستفاد من سياق الآيات، فهم ليسوا بملاحدة من الذين ينكرون أصل الصانع و أصل المعاد و ما تقتضيه الفطرة المخلوقة لله تعالى من لزوم العمل الصالح، بل إن قولهم بالمعاد مع تلك التفاصيل التي يذكرونها و تقيّدهم بحسب الظاهر بجملة من أصول الواجبات و المحرمات، دال على أخذها من الشرائع القديمة.
إلّا أن عدم إقرارهم بنبوة إبراهيم و موسى و عيسى، بل قد ينسب إليهم أن إبراهيم كان منهم فخرج عنهم، و لعله بلحاظ مجاراة إبراهيم لطقوسهم في بدء دعوته كما تشير آيات من سورة الأنعام و استدراجاتهم إلى الحنيفية، أن قولهم هذا و إنكارهم لنبوة جملة من أنبياء أولي العزم صيرهم إلى ما أشار إليه حديث الصادق (ع)، من كونهم معطلة الأنبياء و الرسل و الملل و الشرائع، فجحدوا كل ما جاءوا به، و هو جحد لتوحيد الله تعالى في مقام التشريع و الولاية، و هو جحد للنبوة و الرسالة و وصية الأوصياء، فهم بلا شريعة و لا كتاب و لا رسول، أي بلا كتاب مشتمل على الشريعة و الملة، بخلاف اليهود و النصارى، و قد تقدم أن الانتحال إلى الدين و الملة و النحلة و الكتاب هو على درجات.