الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٠٠ - وغيرها من المقامات العظيمة
عن الطبري أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قال للناس بالتخيير في الأسرى بين الفداء والقتل، بعد نزول جبرئيل عليه بذلك- بقوله: إذا كان التخيير، فكيف وقع التوبيخ بقوله: لَمَسَّكُمْ؟ وأجاب: أنّ التوبيخ وقع أوّلا لحرصهم على أخذ الفداء ثمّ وقع التخيير بعد ذلك [١].
أقول:
مضافاً إلى ما سيأتي من بيان التحريف في هذه الروايات في عموم الأحداث في هذه الواقعة، كما هو ديدنهم في أسباب النزول:
أوّلًا: ما ذكره القرطبي متدافع مع ظاهر الآيات، ومع كلامه في مواضع من تفسيرها؛ فإنّ ظاهر مفاد الآية: أنّ الحكم تعييني لا تخييري، أي أنّ الحرمة لأخذ الأُسارى واستبقائهم متعيّنة، ولسان التوبيخ لسان تهديد بِعقوبة، كما هو مفاد قوله تعالى: لَوْ لا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ؛ كيف يجري استحقاق العقوبة مع الحرص على خصلة من التخيير؟!
ثانيا: اعترف القرطبي في بداية تفسيره للآية: أنّ قول أكثر المفسّرين عندهم ولا يصحّ غيره: أنّ هذه الآية نزلت عتاباً من الله عزّ وجلّ لأصحاب نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أسرى قبل الإثخان، ولهم هذا الإخبار بقوله: تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا- أي أنّ الخطاب للأصحاب لا للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)- والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد قطّ عرض الدنيا، وإنّما فعله جمهور مباشري الحرب، فالتوبيخ والعتاب إنّما كان متوجّهاً بسبب مَنْ أشار على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بأخذ الفدية [٢].
وهذا التسالم عندهم، الذي لا يصحّ غيره، متناقض مع مضمون تلك الروايات التي روى غالبها عمر، من أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان هواه في الفداء، وأنّ العذاب لو نزل لَما نجا منه إلّا عمر، ولشمل رسول الله والعياذ بالله تعالى من هذا القول، وفي ذلك بيان لفوقيّة عصمة عمر على عصمة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
ثالثاً: إذا كان العتاب- المتسالم عليه عندهم- هو للصحابة الّذين حرصوا على
[١] الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٤٨.
[٢] الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٤٦ ٤٥.