الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧٠ - الملحمة القرآنية والإسرار النبوي
الأحداث في مسار الأُمّة، وهاهنا الطرف الثاني الذي تتعرّض له الآيات بالمديح والثناء، و بيان أنّه المؤهّل لولاية الأمر من قبله تعالى؛ بقرينة تقريع الآيات للطرف الأوّل، الذي تتوقّع استيلاءه على مقاليد الأُمور، وتذكر له العديد من الصفات، مثل: حلاوة المقال مع عداوة القلب، وخصامه الكثير ولجاجه، وقساوته عند تولّيه الأُمور بتغريب النتاج المدني البشري، والإبادة للطبيعة البشرية.
و هاهنا الآيات لم تصف النسل البشري بصفة خاصّة، ممّا يعطي أنّ التقريع للإبادة موردها الطبيعة البشرية من حيث هي محترمة كخلق للَّهتعالى، بغضّ النظر عن الحرمة من جهة الإيمان أو الإسلام، وهذا مؤشّر على موارد وقوع هذه الصفة المُتنبَأ بها في الآيات، وقد مرّت الإشارة إلى هذا البحث في سابق.
و الحاصل إنّ الطرف الثاني الذي تمدحه الآيات هو في مقابل الطرف الأوّل المذموم لتولّي الأمر. و الممدوح هاهنا كما هو معروف من الروايات ولدى المفسّرين هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام؛ إذ فدّى نفسه للنبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في ليلة المبيت على فراشه.
وفي السورة الثانية قال تعالى: «فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَ ذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ* طاعَةٌ وَ قَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ* فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ* أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَ أَعْمى أَبْصارَهُمْ» [١].
هذه الآيات تشير إلى وقوع استيلاء على مقاليد الأُمور من قبل فئة من المسلمين، وهم: «الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ»، وهذا العنوان قد أشار القرآن الكريم إلى وجوده بين صفوف المسلمين منذ بداية نشأة الإسلام، كما في سورة «المدّثر»، رابع سورة نزلت على النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في مكّة في أوائل البعثة.
و هذا التقارن بين سورة المدّثر وسورة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم دالّ على أنّ هدف هذه الفئة
[١] . محمّد صلى الله عليه و آله و سلم/ ٢٠- ٢٣.