الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٨٨ - وغيرها من المقامات العظيمة
فلمّا فرغ من قضيّة الكتاب قال رسول الله صلّى الله عليه (وآله) وسلّم لأصحابه: قوموا فانحروا ثمّ احلقوا. فوالله ما قام رجل منهم حتّى قال ذلك ثلاث مرّات، فلمّا لم يقم منهم أحد قام فدخل على أُمّ سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس [١].
أقول:
هذه المخالفة أُخت مثيلاتها، وإنّ ما يدركه ويفهمه من قواعد الدين حجّيته فوق حجّية نبيّ الله تعالى، وإنّه متردّد في أنّ النبيّ على الحقّ أو لا، وليس هذا موقفه فقط، بل هذا ما يرسمه أهل سُنّة جماعة الخلافة والسلطان لأنفسهم، ولا يزالون يصحّحون تلك المواقف، بل جعلوه منهجاً وقاعدة تحت ذريعة أنّ أحكام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) اجتهادات قد لا تصيب الواقع والحقيقة.
ولم يكتف عمر بذلك، بل عبّأ عصياناً عامّاً لدى المسلمين على النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، تحت شعار: (لا نقبل الدنية في ديننا)، وإنّ هذا الشعار هو من المحكمات التي يحكمها على نبيّ الله تعالى.
روى السيوطي- أيضاً- في سورة الفتح، قال: ( (وأخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري في تاريخه، وأبو داود، وابن جرير، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود، قال: أقبلنا من الحديبيّة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي، وكان إذا أتاه اشتدّ عليه، فسرى عنه وبه من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنّه أنزل عليه: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً [٢]، قال: الحديبيّة)).
وقال: ( (وأخرج البيهقي عن عروة، قال: أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبيّة راجعاً، فقال رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): والله ما هذا بفتح! لقد صُددنا عن البيت، وصُدّ هدْينا.
وعكف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحديبيّة، وردّ رجلين من المسلمين خرجا، فبلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قول رجال من أصحابه: (إنّ هذا ليس بفتح)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): بئس الكلام، هذا أعظم الفتح؛ لقد رضي المشركون أن يدفعوكم بالراح عن بلادهم،
[١] الدرّ االمنثور ٦/ ٧٦- ٧٧.
[٢] سورة الفتح ١: ٤٨.