الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٣٨ - بين عصمة النبي (ص) وعدالة الصحابة
ولمّا رجع من الخندق ووضع السلاح، فجاء جبرئيل فقال له: إنّ الملائكة لم تضع أسلحتها بعد. وأمره بالمضي إلى بني قريظة.
وقد قيل: إنّ خطأ آدم (عليه السلام) في أكل الشجرة كان من طريق الاجتهاد.
ثمّ قال: فإن قال قائل: لو جاز أن يقول النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) من طريق الاجتهاد لكان لغيره من الصحابة مخالفته؛ لأنّ ما كان طريقه الاجتهاد فكلّ مَن أدّاه اجتهاده إلى شيء لزمه القول به، وجاز له مخالفة غيره فيه، وفي اتّفاق جميع المسلمين على وجوب التسليم له في ما قاله وفعله دلالةً على أنّه لا يقول إلّا وحياً وتنزيلًا؟!
قيل له: الجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: إنّا قد علمنا أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قال قولًا من طريق الاجتهاد فأغفل موضع الصواب، نبّهه الله عليه بوحي من عنده، وغير جائز أن يخلّيه موضع إغفاله، كما قال تعالى: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ وكقوله: عَبَسَ وَ تَوَلَّى فإذا كان هذا سبيله فغير جائز لأحد مخالفته.
والوجه الثاني: إنّ هذا القائل يوافقنا على أنّ الإجماع قد يكون من طريق الاجتهاد، وقد يثبت عندنا ذلك أيضاً بالدلائل الصحيحة، ثمّ إذا انعقد إجماع أهل العصر من طريق الاجتهاد لم يجز لمَن بعدهم أن يخالفهم، والنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول من طريق الاجتهاد ويكون لاجتهاده مزية لا يحقّ من أجلها لغيره أن يخالفه.
فأمّا قوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى فإنّ فيه جوابين:
أحدهما: إنّه أراد القرآن نفسه؛ لأنّه قال تعالى: وَ النَّجْمِ إِذا هَوى [١] قيل في التفسير: معناه: القرآن إذا نزل.
والوجه الثاني: إنّ الاجتهاد لمّا كان مصدره عن الوحي- لأنّ الله قد أمر به، فدلّ عليه- جاز أن يقال: إنّ ما أدّاه إليه اجتهاد فهو عن وحي؛ لأنّه قد أُوحي إليه باستعمال الاجتهاد.
[١] سورة النجم ١: ٥٣.