الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٣٦ - بين عصمة النبي (ص) وعدالة الصحابة
إحداث سُنّة جماعة الخلافة لمقولة اجتهاده:
لقد عنون الجصّاص (ت ٣٧٠ ه-) في كتابه الفصول باباً ب-:" القول في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هل كان يسنّ من طريق الاجتهاد؟"، وهذا العنوان بنفسه يحمل في مضمونه باب جواز الردّ والمخالفة لسنن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد إنكار هداية الوحي فيها ..
قال: اختلف الناس في ذلك؛ فقال قائلون: لم يكن النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يحكم في شيء من أمر الدين إلّا من طريق الوحي؛ لقوله تعالى: وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [١] وقال آخرون: جائز أن يكون النبيّ (عليه السلام) قد جُعل له أن يقول من طريق الاجتهاد في ما لا نصّ فيه.
وقال آخرون: جائز أن يكون بعض سُنّته وحياً، وبعضها إلهاماً، وشيء يُلقى في روعه، كما قال (صلى الله عليه وآله وسلم): ( (إن الروح الأمين نفث في روعي: أنّ نفساً لن تموت حتّى تستوفي رزقها، فاتّقوا الله وأجملوا في الطلب)).
ويجوز أن يكون بعض ما يقوله نظراً واستدلالا، وتردّ الحوادث التي لا نصّ فيها إلى نظائرها من النصوص باجتهاد الرأي ..
وهذا هو الصحيح عندنا.
والدليل على أنّه قد كان جُعل له أن يقول من طريق الاجتهاد: قوله تعالى: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [٢]، عمومه يقتضي جواز الاستنباط من جماعة المردود إليهم، وفيهم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم).
ويدلّ عليه أيضاً: قوله تعالى: فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [٣] والنبيّ من أجلّهم.
ويدلّ عليه: ما حكى الله تعالى من قصّة داود وسليمان (عليهما السلام، ثمّ قال: فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَ كُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَ عِلْماً [٤]، وظاهره يدلّ على أنّ حكمهما كان
[١] سورة النجم ٣: ٥٣، ٤.
[٢] سورة النساء ٨٣: ٤.
[٣] سورة الحشر ٢: ٥٩.
[٤] سورة الأنبياء ٧٩: ٢١.