الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٨٤ - تدبير الإمام عليّ عليه السلام في ظفر المسلمين في الفتوحات
وإن سرت بنفسك مع أهل مكّة والمدينة إلى أهل البصرة والكوفة ثمّ قصدت بهم عدوّك انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأطرافها، حتّى أنّك تريد بأن يكون من خلّفته وراءك أهمّ إليك ممّا تريد أن تقصده ولا يكون للمسلمين كانفة تكنفهم، ولا كهف يلجؤون إليه، وليس بعدك مرجع ولاموئل؛ إذ كنت أنت الغاية والمفزع والملجأ، فأقم بالمدينة ولا تبرحها؛ فإنّه أهيب لك في عدوّك وأرعب لقلوبهم، فإنّك متى غزوت الأعاجم يقول بعضهم لبعض: إن ملك العرب قد غزانا بنفسه لقلّة أتباعه وأنصاره. فيكون ذلك أشدّ لكلبهم عليك وعلى المسلمين، فأقم بمكانك الذي أنت فيه وابعث مَن يكفيك هذا الأمر، والسلام.
قال: فقال عمر: يا أبا الحسن! فما الحيلة في ذلك وقد اجتمعت الأعاجم عن بكرة أبيها بنهاوند في خمسين ومائة ألف، يريدون استئصال المسلمين؟!
قال: فقال له عليّ بن أبي طالب عليه السلام: الحيلة أن تبعث إليهم رجلًا مجرّباً، قد عرفته بالبأس والشدّة؛ فإنّك أبصر بجندك وأعرف برجالك، واستعن باللَّه وتوكّل عليه واستنصره للمسلمين، فإن استنصاره لهم خير من فئة عظيمة تمدّهم بها، فإن أظفر اللَّه المسلمين فذلك الذي تحبّ وتريد، وإن يكن الأُخرى وأعوذ باللَّه من ذلك أن تكون ردءاً للمسلمين، وكهفاً لهم يلجؤون إليه، وفئة ينحازون إليها.
قال: فقال له عمر: نِعم ما قلت يا أبا الحسن! ولكنّي أحببت أن يكون أهل البصرة وأهل الكوفة هم الّذين يتولّون هؤلاء الأعاجم؛ فإنّهم ذاقوا حربهم وجرّبوهم ومارسوهم في غير موطن.
قال: فقال له عليّ عليه السلام: إن أحببت ذلك فاكتب إلى أهل البصرة أن يفترقوا على ثلاث فرق: فرقة تقيم في ديارهم يكونوا حرساً لهم يدفعون عن حريمهم، والفرقة الثانية في المساجد يعمرونها بالأذان والصلاة؛ لكي لا تعطّل الصلاة، ويأخذون الجزية من أهل العهد؛ لكي لا ينتقضوا عليك، والفرقه الثالثة يسيرون إلى إخوانهم من أهل الكوفة، ويصنع أهل الكوفة كصنع أهل البصرة، ثمّ يجتمعون ويسيرون إلى عدوّهم فإنّ اللَّه عزّ