الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥٥ - ١٠- محطّة الفتوحات
فكيف لا تعتمد قريش سياسة وتدبير من أوائل أيام البعثة كي تكون هي الظافرة بملك محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، لا سيّما وأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم قد كان ينبئ ويخبر بما سيكون عليه مستقبل دين الإسلام وأنّه سيسود البلدان؟!
فقد روى الطبري و غيره: «أنّ ناساً من قريش اجتمعوا، فيهم أبوجهل بن هشام، والعاص بن وائل، والأسود بن المطّلب، والأسود بن عبد يغوث، في نفر من مشيخة قريش، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى أبي طالب فنكلّمه فيه فلينصفنا منه، فيأمره فليكفّ عن شتم آلهتنا ...».
إلى أن قال: «قال صلى الله عليه و آله و سلم: أي عمّ! أوَ لا أدعوهم إلى ما هو خير لهم منها؟!
قال: وإلى ما تدعوهم؟ قال: ادعوهم إلى أن يتكلّموا بكلمة تدين لهم بها العرب ويملكون بها العجم» [١].
و المتتبّع في كتب التاريخ والسير يجد الكثير من هذه النماذج التي تشير إلى تحسّب القبائل وطمعها في الدعوة الجديدة ومستقبلها، والسلطة الجديدة الآخذة في الانتشار. و نظيره ما كانت تتنبّأ به الكهنة والمنجّمين، وكانت قريش تعتمد عليهم كثيراً، وقد ذكر إخبارهم بمستقبل النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في كتب السير والتاريخ، بل كانت اليهود والنصارى كثيراً ما تتوعّد المشركين بالظفر عليهم عند بعثة خاتم النبيّين من مكّة، ولذلك هاجروا من بلاد الشام واستوطنوا الحجاز انتظاراً لبعثة النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم ..
وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك: «وَ لَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَ كانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ» [٢]، بل قد ذكرت كتب السير والتاريخ أنّ اليهود- مع ذلك- كانت تترصّد اغتيال أجداد وآباء النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم.
فمن كلّ ذلك يتبيّن أنّ خبر المستقبل كان متفشيّاً منتشراً في أرجاء مكّة
[١] . تاريخ الطبري ٢/ ٦٥.
[٢] . البقرة/ ٨٩.