الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥ - الخدشة في أدلة المسألة عند العامّة
والمحقّ والمبطل، والهادي والضالّ، والمستقيم الموفي لِما عاهد عليه اللَّه ورسوله، والمبدّل الناكث لِما عاهد؟! و هل هذا إلّاجمع بين المتناقضين، وقلّة الحرج في الدين، و تهوين لأمر الدين؟! وقول التفتازاني وغيره المتقدّم: «إنّ مقاتلتهم كانت لارتفاع التباين والعود إلى الأُلفة والاجتماع بعدما لم يكن طريق سواه. وبالجملة: فلم يقصدوا إلّاالخير والصلاح فيالدين. وأمّا اليوم، فلا معنى لبسط اللسان فيهم إلّاالتهاون بنقلة الدين، الباذلين أنفسهم وأموالهم في نصرته». نعم، كانت لارتفاع التباين والعود إلى ... ولكنّها تقتضي مدافعة الطرف الآخر ولوبإراقة دمه واستباحته، لإقامته على المنكَر والباطل؛ فهذا يبرهن على المباينة في سيرتهم وأقوالهم ودعوتهم.
و على تقدير وجود قصد الصلاح في الدين في كلّ من الطرفين، فهذا لا يبرّر اتّباع الطرف المقيم على المنكَر والباطل، ومجرّد حسن النية- على تقدير التسليم به- لا يدلّل على سلامة النهج، ولا يرفع التباين بين السيرتين والقولين- وقد أقرّ بذلك-، فكيف يتّصف بالحجّية كِلا الطرفين المتباينَين وهو ممتنع؛ فلابُدّ منالفحص عن المحقّ الهادي إلى سواء السبيل، قال تعالى «أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ» [١].
و بعبارة أُخرى: إنّ حجّية أقوال وأفعال الصحابة أو الثلّة منهم، إمّا أن تكون من باب الإمامة المنصوصة من اللَّه ورسوله، ومن الواضح أنّه مع التباين بينهم لايمكن أن يكون كِلا الطرفين منصوص عليه بالإمامة؛ و إمّا من باب حجّية قول المجتهد وفتواه، لكونه من أهل الخبرة، فمن الواضح أيضاً أنّه مع الاختلاف والتقاطع لا بُدّ من اتّباع الأعلم والواجد للشرائط المؤهّلة- وبنحو الوفور التامّ- دون غيره؛ و إمّا من باب حجّية المخبر في أخباره، أي حجّية رواية الراوي الثقة، وهذا أيضاً يوجب علينا إحراز صفة الوثاقة والعدالة عند أحد المتنازعين، لا سيّما وأنّ النزاع مستفحل شديد قد وصل إلى استباحة الدم.
[١] . يونس/ ٣٥.