الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٥ - الوحدة والتولّي والتبرّي
و في هذه الآيات يلاحظ الحثّ على إبراز وإظهار البرائة القلبية والنفسية على مستوى العلاقة الخارجية، نعم في الآية اللاحقة: «لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» [١]، وهذا ليس تفصيل في المودّة بل في تجويز البرّ والمعاملة الحسنة مع غير المعادين منهم، وإلّا فالموادّة لا استثناء فيها، بخلاف المعادين منهم فاللازم إظهار الشدّة معهم: «أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ» [٢].
و قال تعالى: «ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ* وَ ما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ» [٣].
و قال تعالى: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ لَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لا رَسُولِهِ وَ لَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ» [٤]، والولجة- بالتحريك- هي المكان الذي يستتر فيه المار عن المطر وغيره، والولوج هو دخول شيء في شيء باستتار الأوّل في الثاني، فالوليجة هي: الجماعة التي يحتمي بها الشخص وينضمّ إليها ويتحالف معها.
و لا يخفى تعدّد ألسن البرائة والتبرّي: الأوّل: تحريم الموادّة، والثاني: تحريم وليجة غير المؤمنين مطلقاً، والثالث: وجوب التبرّي من الأعداء في الدين، والرابع: حرمة الاستغفار لهم وهو نحو من طلب الرحمة الإلهية لهم.
و قال تعالى: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ* إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ* وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ
[١] . الممتحنة/ ٨.
[٢] . الفتح/ ٢٩.
[٣] . التوبة (البرائة)/ ١١٤.
[٤] . التوبة (البرائة)/ ١٦.