الصحابة بين العدالة و العصمة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٢ - النبيّ هارون عليه السلام و نموذج الوحدة
الجنين، وقعدت حجرة الظنين، نقضت قادمة الأجدل، فخانك ريش الأعزل؟!» [١]؛ فهي لم تكن- كما يوهمه عمى البصيرة- جزعاً منها عليها السلام أو عتاباً لأمير المؤمنين، وإنّما هي عليها السلام في صدد بيان انحراف القوم وشدّة ضلال ما ارتكبوه، ولكي يتبيّن أنّ عليّاً عليه السلام لم يكن سكوته عن مقاتلتهم تخاذلًا منه أو جبناً أو نكصاً عن الحقّ، بل لأنّ صدامه المسلّح معهم يوجب تزلزل عقيدة الناس بالدين، والنزاع على السلطة في نظر وذهنية عامّة الناس من أكبر أمثلة التنازع على الدنيا وأعظمها، وبالتالي سيسري شكّهم في دواعي الوصيّ عليه السلام إلى دواعي ابن عمّه النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم بأنّ كلّ ما جرى هو تغالب على الملك، كما قال ذلك يزيد بن معاوية:
لعبت هاشم بالملك فلا
خبر جاء ولا وحي نزل [٢]
و قال أبي سفيان عند فتح مكّة للعبّاس: «إنّ مُلْك ابن اخيك لعظيم» فأجابه العبّاس: «إنّها النبوّة» [٣]. فالناس ليس لديهم الوعي والبصيرة الكافية في كون خطورة هذا الانحراف هو شبيه الانحراف الذي حصل في الديانة اليهودية والمسيحية، وليس هو محض مسند القدرة في النظام الاجتماعي السياسي.
ثمّ إنّ من سيرة هارون عليه السلام تستخلص العبر؛ إذ المحافظة على وحدة بني إسرائيل أوجبت عدم المصادمة المسلّحة بين فريقي الحقّ والباطل، لكن الوحدة لم توجب ذوبان فريق الحقّ في فريق الباطل، ولا تركهم للنصيحة والوعظ بأُسلوب المداراة، والوحدة التكتيكية لم توجب إيقاف الإصلاح والأمر بالحقّ والنهي عن الباطل بأُسلوب الحكمة و طريق الموعظة الحسنة، فضلا عن التنكر والريب في ثوابت الحقّ، ولا استحسان الباطل
[١] . الأمالي- للشيخ الطوسي-: ٦٨٣ ح ١٤٥٥، المناقب- لابن شهرآشوب- ٢/ ٥٠.
[٢] . تذكرة الخواصّ: ٢٣٥، البداية والنهاية ٨/ ١٥٤، الإتحاف بحبّ الأشراف: ٥٧.
[٣] . الطبقات الكبرى- لابن سعد- ٢/ ١٣٥، المعجم الكبير- للطبراني- ٧/ ٧٦.